تشهد الساحة الإعلامية المغاربية خلال السنوات الأخيرة تحولات لافتة تعكس، في كثير من الأحيان، طبيعة التوترات السياسية والإيديولوجية التي تعرفها المنطقة. وفي هذا السياق، أثار الخط التحريري الذي باتت تعتمده قناة “الجنوبية” التونسية تساؤلات متزايدة لدى عدد من المتابعين والباحثين في شؤون الإعلام والعلاقات المغاربية، بالنظر إلى الحيز الكبير الذي تخصصه القناة للحديث عن المغرب وقضاياه الداخلية والخارجية، في مقاربة يرى البعض أنها تجاوزت حدود النقد الإعلامي المشروع نحو ما يشبه الاصطفاف السياسي الواضح.
ففي الوقت الذي تواجه فيه تونس تحديات اقتصادية واجتماعية معقدة، تتعلق بالنمو الاقتصادي والبطالة والمالية العمومية والاستقرار الاجتماعي، يلاحظ متابعون أن جزءاً مهماً من المحتوى السياسي الذي تبثه القناة يركز على الشأن المغربي، من خلال استضافة شخصيات ومعلقين معروفين بمواقفهم السلبية تجاه المملكة المغربية، مع محدودية واضحة في إتاحة الفرصة لوجهات نظر مغايرة أو لمتدخلين قادرين على تقديم قراءة متوازنة للملفات المطروحة.
ولا يتعلق الأمر هنا بحق وسائل الإعلام في ممارسة النقد أو مناقشة السياسات العمومية للدول، وهو حق مشروع ومكفول في المجتمعات الديمقراطية، وإنما بالإشكالية المرتبطة بمدى احترام المعايير المهنية الأساسية التي تقوم على التعددية والتوازن والتحقق من المعطيات قبل تقديمها للرأي العام. فالإعلام، وفق الأدبيات الأكاديمية الحديثة، يفترض أن يكون فضاءً للنقاش العمومي الرصين، لا أداة لإعادة إنتاج الاستقطابات السياسية أو تغذية الصور النمطية بين الشعوب.
ومن منظور جيوستراتيجي، يكتسي هذا التوجه أهمية خاصة في ظل الظرفية الدقيقة التي تمر بها منطقة المغرب الكبير. فالمنطقة تواجه تحديات مشتركة تتعلق بالأمن الإقليمي، والهجرة غير النظامية، والتنمية الاقتصادية، والتغيرات الجيوسياسية المتسارعة في الفضاء المتوسطي والإفريقي. وفي مثل هذه السياقات، يصبح للإعلام دور محوري في بناء جسور التفاهم وتعزيز الوعي الجماعي بالمصالح المشتركة، بدل تكريس مناخات الشك والعداء.
لقد أظهرت تجارب دولية عديدة أن وسائل الإعلام حين تتحول إلى أدوات للصراع السياسي العابر للحدود، فإنها تساهم بشكل مباشر أو غير مباشر في تعميق الانقسامات الإقليمية وإضعاف فرص التعاون بين الدول. كما أن الخطابات الإعلامية الأحادية غالباً ما تؤدي إلى إنتاج رأي عام مبني على تصورات جزئية أو انتقائية، وهو ما يتعارض مع الوظيفة التنويرية التي يفترض أن تضطلع بها المؤسسات الإعلامية.
وفي حالة العلاقات المغربية التونسية، فإن الرصيد التاريخي والثقافي والحضاري المشترك بين البلدين يظل أكبر بكثير من الخلافات الظرفية أو التباينات السياسية العابرة. فقد ظلت الرباط وتونس، لعقود طويلة، نموذجاً للتعاون والتقارب داخل الفضاء المغاربي، واستفاد البلدان من شبكة واسعة من التبادلات الاقتصادية والثقافية والإنسانية التي يصعب اختزالها في السجالات الإعلامية اليومية.
ومن هذا المنطلق، يرى عدد من الخبراء في الإعلام والعلاقات الدولية أن الحاجة أصبحت ملحة لإعادة الاعتبار للمعايير المهنية داخل الفضاء الإعلامي المغاربي، بما يضمن الفصل بين العمل الصحافي الموضوعي وبين الحسابات السياسية أو الإيديولوجية. فالمصداقية الإعلامية لا تُقاس بحدة الخطاب أو بكثافة الاتهامات، بل بقدرة المؤسسة الإعلامية على تقديم معلومات دقيقة ومتوازنة، تتيح للمشاهد تكوين رأيه بناءً على معطيات متعددة المصادر والزوايا.
إن مستقبل التكامل المغاربي لن يتحدد فقط عبر القرارات السياسية والدبلوماسية، بل كذلك عبر طبيعة الخطاب الإعلامي السائد في المنطقة. وكلما نجحت وسائل الإعلام في ترسيخ ثقافة الحوار والنقاش المسؤول، ازدادت فرص بناء فضاء مغاربي أكثر استقراراً وقدرة على مواجهة التحديات المشتركة. أما الانخراط في حملات الاستهداف الإعلامي المتبادل، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الهوة بين الشعوب وإضعاف آفاق التعاون التي تحتاجها المنطقة اليوم أكثر من أي وقت مضى.