لم تكن موجة المهاجرين التي وصلت إلى سبتة الإسبانية في نهاية يوليوز مجرد أزمة حدودية عابرة، بل بدت أقرب إلى اختبار مفاجئ لقدرة الاتحاد الأوروبي على تحويل سياسته المشتركة في مجال الهجرة واللجوء من نصوص قانونية إلى آليات عملية قادرة على الاستجابة للأزمات الكبرى.
فبعد سنوات من الخلافات بين الدول الأعضاء حول تقاسم أعباء اللجوء، وحماية الحدود الخارجية، وإعادة المهاجرين، كانت بروكسيل تراهن على الميثاق الأوروبي الجديد للهجرة واللجوء باعتباره إطاراً أكثر تنسيقاً لمعالجة تدفقات الهجرة. غير أن أحداث سبتة أعادت إلى الواجهة سؤالاً أكثر تعقيداً: ماذا يحدث عندما تتجاوز أعداد الوافدين، خلال فترة قصيرة، القدرة الاستيعابية لدولة واحدة، بينما تظل الحدود الخارجية مسؤولية وطنية في لحظة الأزمة؟
الميثاق الأوروبي أمام اختبار الواقع
دخل ميثاق الهجرة واللجوء الأوروبي مرحلة التطبيق في يونيو الماضي، حاملاً وعوداً بإعادة تنظيم منظومة الهجرة داخل الاتحاد. ويقوم الإطار الجديد، في جوهره، على تعزيز عمليات الفحص عند الحدود الخارجية، وتوحيد عدد من الإجراءات، وتسريع معالجة طلبات اللجوء، إلى جانب إقرار آليات للتضامن وتقاسم المسؤولية بين الدول الأعضاء.
غير أن سبتة قدمت اختباراً مختلفاً عن الأزمات اليومية المعتادة.
فالدول الواقعة على الحدود الخارجية للاتحاد، وعلى رأسها إسبانيا وإيطاليا واليونان، تجد نفسها في مواجهة الضغط الأول عند وصول المهاجرين. وفي المقابل، تميل دول أخرى إلى التشدد في ما يتعلق بانتقال طالبي اللجوء إلى أراضيها، أو برفض تحمل أعباء إضافية.
وهنا تظهر إحدى أقدم المعضلات الأوروبية: التضامن الذي تنص عليه القواعد الأوروبية لا يتطابق دائماً مع حسابات الدول الوطنية.
سبتة.. حدود أوروبية في قلب أفريقيا
تكتسب سبتة خصوصية تتجاوز البعد الجغرافي. فهي مدينة إسبانية تقع في شمال أفريقيا، وعلى تماس مباشر مع المجال المغربي، ما يجعل أي أزمة فيها تتقاطع فيها اعتبارات الهجرة والأمن والعلاقات الأوروبية مع دول جنوب المتوسط.
ولهذا لم تعد سبتة مجرد نقطة عبور للمهاجرين، بل تحولت إلى مرآة تعكس هشاشة الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي عندما تتعرض لضغط مفاجئ.
كما أن موقعها يجعل إدارة الهجرة مرتبطة بصورة وثيقة بالتعاون بين الاتحاد الأوروبي والمغرب، باعتبار المملكة أحد أبرز الشركاء الأوروبيين في مجال مراقبة الحدود ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر والهجرة غير النظامية.
ومن ثم، فإن أي أزمة في سبتة لا يمكن فصلها تماماً عن السياق الأوسع للعلاقات بين أوروبا وشمال أفريقيا.
اليمين الأوروبي يجد في الهجرة وقوداً سياسياً
سياسياً، تحمل أزمات الهجرة دائماً تداعيات تتجاوز الحدود.
فكلما ارتفعت أعداد الوافدين، استعادت الأحزاب اليمينية ملف الهجرة باعتباره قضية مرتبطة بالسيادة الوطنية والأمن والقدرة على التحكم في الحدود. وتزداد الضغوط على الحكومات الأوروبية لتشديد إجراءات الترحيل، وتقليص الدخول غير النظامي، وتعزيز الرقابة على الحدود الخارجية.
وتجد المفوضية الأوروبية نفسها أمام معادلة شديدة الحساسية.
فالتشدد المفرط قد يعرضها لانتقادات حقوقية بشأن الحق في اللجوء والالتزامات الإنسانية، بينما قد يؤدي عدم اتخاذ إجراءات أكثر صرامة إلى منح التيارات المناهضة للهجرة مساحة سياسية أكبر.
وهكذا لم تعد الهجرة مجرد ملف إداري داخل المؤسسات الأوروبية، وإنما أصبحت أحد العوامل التي يمكن أن تؤثر في اتجاهات الرأي العام وفي مستقبل التوازنات السياسية داخل عدد من الدول الأعضاء.
إغلاق طريق لا يعني إغلاق الهجرة
لكن اختزال المسألة في حماية الحدود وحدها قد يقود إلى قراءة ناقصة.
فالحدود، مهما كانت محكمة، لا تلغي الأسباب التي تدفع آلاف الأشخاص إلى المخاطرة بحياتهم للوصول إلى أوروبا. البطالة، والفقر، وعدم الاستقرار، والنزاعات، والفوارق الاقتصادية بين ضفتي المتوسط، كلها عوامل تدفع إلى استمرار محاولات الهجرة.
كما أن طرق العبور نفسها تتغير باستمرار.
فعندما يصبح مسار أكثر صعوبة، تبحث شبكات الهجرة غير النظامية والمهاجرون عن مسارات بديلة. وقد يؤدي إغلاق طريق بحري إلى زيادة الضغط على طريق آخر، أو نقل الأزمة من دولة إلى أخرى.
ومن هنا فإن السياسة الأوروبية تحتاج إلى الجمع بين أمن الحدود وسياسات التعاون مع دول المنشأ والعبور، بدل الاكتفاء بمنطق الرد الأمني عند لحظة الوصول.
المغرب.. شريك أوروبي لا يمكن تجاوزه
في هذا السياق، يحتل المغرب موقعاً بالغ الأهمية في الحسابات الأوروبية.
فالمملكة تمثل أحد أبرز شركاء الاتحاد الأوروبي في إدارة الحدود الغربية للمتوسط، كما أن التعاون بين الجانبين يشمل مكافحة شبكات الاتجار بالبشر، ومواجهة الهجرة غير النظامية، والتنسيق الأمني.
وتمنح هذه المعادلة الرباط أهمية استراتيجية في إدارة واحدة من أكثر القضايا حساسية بالنسبة إلى أوروبا.
لكن التعاون في مجال الهجرة لا يمكن أن يكون منفصلاً عن باقي الملفات التي تجمع الجانبين، من التجارة والاستثمار والطاقة إلى الأمن والشراكة السياسية.
وبالتالي، فإن أزمة سبتة تذكّر أوروبا بأن إدارة حدودها الجنوبية لا تتم فقط داخل الأراضي الأوروبية، وإنما تبدأ أيضاً من شراكاتها مع دول الضفة الجنوبية للمتوسط.
هل تعود أوروبا إلى منطق الجدران؟
السؤال الأكثر أهمية لا يتعلق فقط بعدد المهاجرين الذين يمكن لأوروبا استقبالهم، وإنما بقدرتها على اتخاذ قرار جماعي عندما تتعرض إحدى دولها الحدودية لضغط استثنائي.
فإذا اعتقدت الدول الأعضاء أن الآليات الأوروبية المشتركة غير قادرة على توفير الدعم في أوقات الأزمات، فقد تجد نفسها مدفوعة إلى اتخاذ إجراءات وطنية منفردة، بما في ذلك تشديد الرقابة على الحدود أو فرض قيود مؤقتة على الحركة.
وهنا تكمن المخاطرة الحقيقية.
فمنظومة شنغن قامت على فكرة أن الحدود الداخلية يمكن أن تكون مفتوحة لأن الحدود الخارجية تتم إدارتها ضمن إطار أوروبي مشترك. وإذا عادت كل دولة إلى حماية حدودها كلما اندلعت أزمة، فإن المشكلة لن تكون في الهجرة وحدها، بل في مستقبل أحد أهم إنجازات التكامل الأوروبي.
الاختبار الحقيقي يبدأ عند الأزمة
نجاح ميثاق الهجرة واللجوء الأوروبي لن يقاس بعدد القوانين التي دخلت حيز التنفيذ، ولا بعدد الإجراءات التي تم اعتمادها على الورق، وإنما بقدرته على الصمود عندما تتعرض دولة عضو لموجة مفاجئة وكبيرة من الوافدين.
فأوروبا تستطيع تشديد إجراءات الفحص، وتسريع معالجة الملفات، وتعزيز المراقبة، وتطوير آليات الترحيل. لكن يبقى السؤال السياسي الأصعب قائماً: من يتحمل المسؤولية عندما تتحول الهجرة من تدفقات متفرقة إلى أزمة جماعية؟
إذا لم تجد بروكسيل إجابة مشتركة، فإن كل أزمة جديدة قد تعيد السيناريو ذاته: دول حدودية تطالب بمزيد من التضامن، ودول أخرى تطالب بتشديد الحدود، وأحزاب يمينية تدعو إلى الترحيل، ومنظمات حقوقية تحذر من المساس بحقوق طالبي اللجوء.
وهنا قد تكون المشكلة الأوروبية الحقيقية أعمق من الهجرة نفسها.
إنها مشكلة القدرة على اتخاذ قرار مشترك في لحظة تتعارض فيها المصالح الوطنية مع الحاجة إلى سياسة أوروبية موحدة.
لقد كشفت سبتة أن الحدود الأوروبية قد تكون موحدة على الخرائط والقوانين، لكنها تظل وطنية وسياسية عندما تصل الأزمة إلى الأرض.
ولهذا فإن الاختبار الحقيقي لميثاق الهجرة الجديد ليس ما يحدث في الأيام العادية، وإنما ما ستفعله أوروبا عندما تأتي الأزمة المقبلة.
فإما أن تنجح الدول الأعضاء في تحويل التضامن الأوروبي من مبدأ قانوني إلى ممارسة فعلية، وإما أن تعود كل دولة، عند أول موجة كبيرة، إلى حدودها وحساباتها ومخاوفها الخاصة.
وعندها لن تكون أزمة الهجرة وحدها هي التي تطرق أبواب أوروبا، بل قد يكون معها سؤال أكبر: هل لا يزال الاتحاد الأوروبي قادراً على إدارة أزماته الكبرى بعقل جماعي واحد؟