التحرك الأوروبي لمراقبة «ميتا» و«تيك توك» يفتح ملف التضليل الرقمي وتوظيف الهجرة في الصراع الجيوسياسي

مجدي فاطمة الزهراء

Screenshot

الفنيدق – لم تنته تداعيات موجة العبور الجماعي نحو سبتة عند السياج الحدودي أو في عرض البحر. فالأزمة التي خلفت خسائر بشرية ومادية، وأثارت نقاشاً واسعاً حول الهجرة وحماية الحدود، كشفت في الوقت نفسه عن بعد آخر بات من الصعب تجاهله: الدور المتزايد للفضاء الرقمي في صناعة الأزمات وتحويل الشائعات إلى سلوك جماعي.

وبعد الأحداث، دخلت المؤسسات الأوروبية على خط هذا الجانب من الأزمة، مع دعوات إلى منصات التواصل الاجتماعي، ولا سيما «ميتا» و«تيك توك»، لتعزيز مراقبة المحتويات المضللة والتعامل بصورة أكثر صرامة مع المعلومات الكاذبة خلال الأزمات.

وبحسب ما أوردته وكالة «فرانس برس»، دعت المفوضة الأوروبية المكلفة بالسيادة التكنولوجية والأمن والديمقراطية هينا فيركونن المنصات الرقمية إلى التحرك بحزم في مواجهة المعلومات المضللة، وتعزيز الرصد والتعاون مع جهات التحقق من الأخبار. كما تحدثت المعطيات الأوروبية عن انتشار منشورات ومعلومات مضللة ارتبطت بموجة العبور، من بينها شائعة تفيد بأن الحدود أصبحت مفتوحة.

وهنا تبرز المسألة الأكثر حساسية: متى تتحول المعلومة المضللة من مجرد محتوى رقمي إلى أداة قادرة على إنتاج واقع ميداني؟

من الشاشة إلى البحر

تظهر التجربة الأخيرة في محيط سبتة أن الهاتف المحمول أصبح جزءاً من معادلة الهجرة نفسها. فالشاب الذي كان يحتاج في السابق إلى شبكة من الوسطاء للحصول على معلومات حول طرق العبور، أصبح اليوم يتلقى خلال دقائق عشرات الرسائل ومقاطع الفيديو والمنشورات التي قد تقدم له صورة مشوهة عن واقع الحدود أو فرص الوصول إلى الضفة الأخرى.

وتزداد خطورة هذه الظاهرة عندما تستهدف قاصرين وشباباً يعيشون أوضاعاً اجتماعية صعبة، ويكونون أكثر استعداداً لتصديق الوعود التي تقدمها شبكات التواصل باعتبارها حقائق مؤكدة.

وتتحدث معطيات إعلامية متداولة عن نشاط حسابات ومنصات يُعتقد بارتباط بعضها بالجزائر، من بينها صفحات تحمل أسماء مثل «ALGERIA GATE» و«ALGERIA 24» و«MILITARY DZ»، فضلاً عن حسابات ومؤثرين آخرين. كما تم تداول أسماء مجموعات رقمية، من بينها مجموعة على «واتساب» تحمل اسم «HARGA CEUTA@MLILYA».

غير أن هذه المعطيات، مهما بدت لافتة، تحتاج إلى تحقيق تقني مستقل يحدد مصدر الحسابات، وهوية القائمين عليها، ومسارات التمويل أو التنسيق المحتملة، قبل الانتقال من مستوى الاشتباه إلى مستوى الاتهام.

وهذه نقطة أساسية في أي معالجة صحفية جادة للملف: وجود حساب يحمل اسماً جزائرياً أو يستعمل خطاباً معادياً للمغرب لا يكفي وحده لإثبات أنه يعمل بتوجيه مباشر من مؤسسة رسمية جزائرية، ولا سيما الأجهزة العسكرية.

عندما يصبح التضليل جزءاً من المعركة

تكمن خطورة الحملات الرقمية في قدرتها على تجاوز الحدود الجغرافية. فالرسالة التي تنطلق من حساب مجهول يمكن أن تصل إلى آلاف المستخدمين في وقت قياسي، ومنشور واحد قادر على إنتاج عشرات النسخ، قبل أن يصبح من الصعب تحديد مصدره الأول.

وفي أزمات الهجرة تحديداً، يمكن للمعلومة الكاذبة أن تكون أكثر من مجرد خبر خاطئ. فإذا اقتنع مئات الأشخاص بأن الحدود مفتوحة أو أن الوصول إلى أوروبا سيضمن تلقائياً الإقامة والعمل، فقد تتحول تلك المعلومة إلى عامل مباشر في اتخاذ قرار شديد الخطورة.

لهذا السبب، فإن حماية الحدود في العصر الرقمي لم تعد تقتصر على المراقبة الأمنية للسواحل والمعابر. إنها تبدأ أيضاً من رصد البيئة المعلوماتية التي تسبق حركة الأشخاص.

وهذا البعد يكتسي أهمية خاصة في حالة سبتة، حيث تزامن الانتشار الواسع للمحتويات الرقمية مع تحرك جماعي نحو الحدود، ما يجعل العلاقة بين المجالين الرقمي والميداني موضوعاً يستحق تحقيقاً مستقلاً ودقيقاً.

بروكسيل تفتح الباب أمام التحقيق

اللافت في الموقف الأوروبي أن الاهتمام لم يتوقف عند الجانب الأمني التقليدي. فدعوة المنصات إلى تشديد مراقبة التضليل تعني أن بروكسيل بدأت تتعامل مع وسائل التواصل باعتبارها جزءاً من منظومة إدارة الأزمات الأمنية والهجرية.

وبحسب المعطيات المنسوبة إلى «فرانس برس»، تحدث المفوض الأوروبي للشؤون الداخلية والهجرة ماغنوس برونر عن تأثير شبكات التهريب الإجرامية وحملات التضليل، ودعا إلى تعزيز قدرة الاتحاد الأوروبي على رصد اتجاهات التضليل على شبكات التواصل بالتعاون مع «يوروبول» ووكالات الاتحاد الأخرى.

لكن الأهم في هذه المعطيات هو الإقرار بأن تحديد الجهة التي تقف وراء استغلال الفضاء الإلكتروني لا يزال يحتاج إلى مزيد من البحث.

وهذه العبارة تضع النقاش في مكانه الصحيح. فالمطلوب ليس إطلاق الاتهامات السياسية، وإنما الوصول إلى الأدلة الرقمية التي تستطيع تحديد مصدر الحملات، وكيفية انتشارها، والجهات التي تقف وراء إدارتها أو تمويلها أو تضخيمها.

الجزائر.. اتهام يحتاج إلى أدلة تقنية

بالنسبة إلى المغرب، تطرح الأحداث تساؤلات مشروعة حول احتمال استغلال الهجرة في الصراع السياسي والجيوسياسي بين الرباط والجزائر، خصوصاً في ظل التوتر المستمر بين البلدين.

لكن الانتقال من هذه الفرضية إلى اتهام مؤسسات الدولة الجزائرية، أو الأجهزة العسكرية تحديداً، بالوقوف وراء حملة منظمة يستوجب أدلة تتجاوز مضمون المنشورات نفسها.

وهنا تكمن أهمية التحقيق الرقمي. فالمحتوى الإلكتروني يمكن تتبع مساره من خلال توقيت النشر، وأنماط إعادة النشر، والعلاقات بين الحسابات، والمصادر المشتركة، وسلوك الحسابات الوهمية، فضلاً عن البيانات التي قد تكون متاحة للمنصات أو للسلطات المختصة وفق الأطر القانونية.

وبذلك، يصبح السؤال أكثر دقة: هل كانت هناك حملة منسقة؟ ومن أنشأها؟ ومن قام بتضخيمها؟ وهل كانت لها صلات بمؤسسات أو شبكات منظمة؟

هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها بالشعارات، وإنما بالأدلة.

الخاسر الأول.. الشباب

وسط هذا السجال الجيوسياسي، يبقى البعد الإنساني هو الأكثر إلحاحاً.

فالشاب الذي يتجه إلى البحر بعد مشاهدة مقطع فيديو مضلل لا يرى في اللحظة الأولى الصراع بين الرباط والجزائر، ولا حسابات الاتحاد الأوروبي، ولا التوترات السياسية بين الدول. إنه يرى فقط فرصة يعتقد أنها قد تغير حياته.

ولهذا فإن استغلال هشاشة الشباب في حملات رقمية مضللة، إذا ثبت وجوده، يمثل شكلاً بالغ الخطورة من التلاعب؛ لأنه يحول الإنسان نفسه إلى أداة في صراع لا يملك مفاتيحه.

ومن هنا، فإن مواجهة التضليل لا ينبغي أن تكون مسؤولية المنصات وحدها. إنها تتطلب أيضاً تعزيز التربية الإعلامية والرقمية، وتوفير المعلومات الرسمية السريعة والدقيقة، ورفع قدرة الشباب على التمييز بين الخبر الحقيقي والمحتوى المصمم للتأثير في سلوكهم.

سبتة.. حدود جديدة للصراع

تكشف أحداث سبتة أن مفهوم الحدود تغير. فالسياج الحدودي لم يعد هو الخط الأخير في المعركة، والبحر لم يعد وحده المجال الذي تعبر من خلاله موجات الهجرة. هناك حدود أخرى أقل وضوحاً تبدأ داخل الهاتف، حيث يمكن لصورة أو تسجيل صوتي أو رسالة مجهولة المصدر أن تصنع توقعات جماعية وتدفع أشخاصاً إلى اتخاذ قرارات مصيرية.

ولهذا فإن التحرك الأوروبي تجاه منصات التواصل يكتسب أهمية تتجاوز الأزمة الحالية. فإذا أثبتت التحقيقات وجود حملات منظمة استهدفت دفع القاصرين والشباب نحو سبتة، فإن الملف لن يبقى قضية هجرة غير نظامية فحسب، بل سيتحول إلى قضية أمن معلوماتي عابر للحدود.

أما الحديث عن مسؤولية جهات جزائرية رسمية، وفي مقدمتها الأجهزة العسكرية، فيظل بحاجة إلى تحقيق مستقل وأدلة قابلة للتحقق. وهذه ليست نقطة ضعف في الرواية المغربية، بل شرط أساسي لتحويل الاتهامات إلى ملف موثق يمكن أن يأخذ طريقه إلى المؤسسات الأوروبية والدولية.

في نهاية المطاف، قد تكون أهم نتيجة لأحداث سبتة هي أن أوروبا والمغرب أصبحا أمام نوع جديد من التحديات: الهجرة التي تبدأ رقمياً قبل أن تصبح حركة بشرية على الأرض.

وإذا كان من الممكن إغلاق معبر أو تشديد مراقبة سياج، فإن مواجهة الشائعة أكثر تعقيداً؛ لأنها لا تحتاج إلى جواز سفر، ولا إلى مركب، ولا إلى شبكة تهريب. يكفيها هاتف، وحساب مجهول، ورسالة مصممة بعناية.

لهذا، فإن المعركة الحقيقية بعد أحداث سبتة لا تتعلق فقط بمن يحرس الحدود، وإنما أيضاً بمن يصنع الرواية التي تدفع الناس إلى الاقتراب منها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com