استبعاد بوليساريو من اجتماع الشراكة الكورية – الأفريقية: تكريس لواقعية دولية جديدة في التعاطي مع ملف الصحراء

بوشعيب البازي

في عالم يشهد تحولات متسارعة في موازين القوى الاقتصادية والجيوسياسية، لم تعد الشراكات الدولية الكبرى تُبنى على الاعتبارات الإيديولوجية أو الحسابات السياسية الضيقة، بل أصبحت ترتكز على منطق الدولة والسيادة والمصالح الإستراتيجية المشتركة. وفي هذا السياق، يكتسي استبعاد جبهة بوليساريو من الاجتماع الوزاري للشراكة بين كوريا الجنوبية والاتحاد الأفريقي، المنعقد في سيول يومي 1 و2 يونيو 2026، دلالة سياسية تتجاوز الطابع البروتوكولي للمؤتمر، لتعكس تحولا دوليا متزايدا في طريقة التعاطي مع النزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية.

فالاجتماع الذي جمع ممثلين عن خمسين دولة أفريقية وأربع منظمات إقليمية، بهدف تقييم حصيلة التعاون بين الجانبين منذ القمة الأفريقية – الكورية الأولى لسنة 2024، جاء ليؤكد مرة أخرى أن سيول اختارت الانخراط في مقاربة واقعية تتماشى مع قواعد الشرعية الدولية، من خلال حصر المشاركة في الدول ذات السيادة المعترف بها داخل منظومة الأمم المتحدة.

هذا القرار لا يمكن عزله عن سلسلة من المؤشرات الدبلوماسية التي باتت تتكرر خلال السنوات الأخيرة، سواء في المنتديات الأفريقية – الروسية أو الأفريقية – الهندية أو حتى في بعض الاجتماعات رفيعة المستوى التي تجمع الاتحاد الأفريقي بشركائه الدوليين. فثمة اتجاه متنامٍ داخل العديد من العواصم المؤثرة نحو الفصل بين القضايا التنموية والاقتصادية الكبرى وبين النزاعات الإقليمية التي ما تزال مطروحة على طاولة الأمم المتحدة.

من منظور جيوستراتيجي، تدرك كوريا الجنوبية أن أفريقيا أصبحت إحدى أهم ساحات التنافس الدولي خلال العقود المقبلة. فالقارة تمتلك احتياطات هائلة من المعادن النادرة والموارد الطاقية، كما تضم أكبر احتياطي بشري شاب في العالم، الأمر الذي يجعلها شريكا محوريا في إعادة تشكيل سلاسل التوريد العالمية وتأمين الصناعات المستقبلية المرتبطة بالتكنولوجيا المتقدمة والانتقال الطاقي.

وفي هذا الإطار، تسعى سيول إلى توسيع نفوذها الاقتصادي في أفريقيا من خلال استثمارات ضخمة وشراكات طويلة الأمد في مجالات البنية التحتية والصناعة والطاقة والتكنولوجيا. ومن الطبيعي أن تنظر إلى الدول المستقرة والقادرة على لعب أدوار إقليمية محورية باعتبارها شركاء إستراتيجيين أكثر أهمية من الكيانات غير المعترف بها دوليا.

ضمن هذه المعادلة الجديدة، يبرز المغرب كفاعل إقليمي يمتلك مؤهلات استثنائية. فالمملكة لا تمثل فقط بوابة جغرافية نحو القارة الأفريقية، بل تحولت خلال العقدين الأخيرين إلى منصة اقتصادية ومالية ولوجستية تربط أفريقيا بأوروبا والأسواق العالمية. كما أن الحضور الاقتصادي المغربي المتنامي في غرب أفريقيا ووسطها جعل من الرباط شريكا أساسيا في العديد من المشاريع التنموية والاستثمارية العابرة للحدود.

ويفسر ذلك إلى حد بعيد تنامي الاهتمام الدولي بالمغرب داخل الأجندات الاقتصادية الكبرى التي تستهدف القارة الأفريقية. فبالنسبة إلى العديد من القوى الاقتصادية الصاعدة، لا يتعلق الأمر فقط بدعم شريك سياسي، بل بالاستثمار في نموذج استقرار وتنمية أثبت قدرته على التكيف مع التحولات الإقليمية والدولية.

وفي المقابل، تكشف التطورات الأخيرة عن تراجع واضح في قدرة الجزائر على فرض حضور جبهة بوليساريو داخل المنتديات الدولية الكبرى. فرغم الجهود الدبلوماسية المكثفة التي تبذلها الجزائر دفاعا عن الطرح الانفصالي، فإن أغلب الشركاء الدوليين للاتحاد الأفريقي باتوا يفضلون الالتزام بالمعايير الأممية المتعلقة بالسيادة والاعتراف الدولي، وهو ما يحد تلقائيا من مشاركة الجبهة في الاجتماعات متعددة الأطراف.

الأكثر دلالة أن هذا التوجه لم يعد يقتصر على الدول الغربية فقط، بل أصبح يشمل قوى آسيوية وأوراسية كبرى مثل الهند وكوريا الجنوبية وروسيا، وهو ما يعكس تحولا بنيويا في إدراك المجتمع الدولي لطبيعة النزاع وآفاق تسويته. فهذه الدول تنظر إلى الاستقرار الإقليمي باعتباره شرطا ضروريا لتعزيز التعاون الاقتصادي والأمني، وتعتبر أن الحلول الواقعية والقابلة للتطبيق هي وحدها القادرة على إنهاء النزاعات الممتدة.

وفي هذا السياق، ينسجم استبعاد بوليساريو من اجتماع سيول مع المناخ الدولي المتنامي الداعم للمسار السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة، ومع تنامي التأييد لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أرضية عملية وواقعية لتسوية النزاع. كما يعكس اقتناعا متزايدا لدى العديد من الفاعلين الدوليين بأن مستقبل المنطقة ينبغي أن يبنى على منطق التكامل الاقتصادي والتنمية المشتركة، لا على استمرار الصراعات التي تعرقل اندماج الفضاء المغاربي وتحد من فرص التنمية الإقليمية.

إن الرسالة الأبرز التي يبعثها اجتماع سيول تتجاوز مسألة الحضور أو الغياب. فهي تؤكد أن العالم يتجه تدريجيا نحو اعتماد مقاربة أكثر براغماتية في إدارة القضايا الإقليمية، وأن الشراكات الاقتصادية الدولية أصبحت ترتكز على الاعتراف بالدول ذات السيادة وعلى البحث عن شركاء قادرين على الإسهام في الاستقرار والتنمية. وفي هذا السياق، يبدو أن المغرب يواصل تعزيز موقعه داخل هذه المعادلة الجديدة، بينما تجد الأطروحات الانفصالية نفسها أمام واقع دولي يزداد ابتعادا عن منطق الحرب الباردة وأكثر قربا من منطق المصالح والتنمية والاستقرار

::

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com