إعادة تشكيل مجلس الأمن وتداعياتها الجيوسياسية على ملف الصحراء المغربية

بوشعيب البازي

يشكل انتخاب خمسة أعضاء جدد غير دائمين بمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة للفترة الممتدة بين يناير 2027 ودجنبر 2028 محطة مهمة في دينامية الحكامة الدولية، بالنظر إلى الدور المحوري الذي تضطلع به هذه الهيئة في تدبير الأزمات والنزاعات الإقليمية عبر العالم. غير أن أهمية هذه الانتخابات تتجاوز البعد المؤسساتي التقليدي، لتكتسب أبعادا جيوسياسية أكثر عمقا في ضوء الملفات الاستراتيجية المعروضة على أجندة المجلس، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية التي تظل من أبرز الملفات المدرجة بشكل دوري ضمن اختصاصاته.

وقد أسفرت عملية الانتخاب عن صعود النمسا والبرتغال عن مجموعة أوروبا الغربية، وزيمبابوي وترينيداد وتوباغو عن المجموعة الإفريقية ومجموعة أمريكا اللاتينية والكاريبي، إضافة إلى قيرغيزستان عن مجموعة آسيا والمحيط الهادئ، في تركيبة تعكس إلى حد كبير التوازنات الجغرافية والسياسية المعتمدة داخل الأمم المتحدة.

ورغم أن العضوية غير الدائمة لا تمنح أصحابها حق النقض، الذي يظل حكرا على الأعضاء الخمسة الدائمين، فإنها تتيح للدول المنتخبة هامشا مهما للتأثير في صياغة القرارات وتوجيه النقاشات الدبلوماسية داخل المجلس. غير أن التجربة الأممية خلال العقدين الأخيرين تؤكد أن الملفات ذات الطبيعة الاستراتيجية، وعلى رأسها النزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية، تتأثر أساسا بالتوافقات الكبرى بين القوى الدولية الفاعلة أكثر مما تتأثر بالتغيرات الدورية في تركيبة الأعضاء غير الدائمين.

دينامية دولية متنامية لصالح الحل السياسي الواقعي

خلال السنوات الأخيرة، شهد ملف الصحراء المغربية تحولا نوعيا في المقاربة الدولية تجاه النزاع، حيث انتقلت العديد من الدول من منطق الحياد التقليدي إلى تبني مواقف أكثر وضوحا تجاه المبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها إطارا واقعيا وذا مصداقية لتسوية النزاع.

ويبرز هذا التحول بشكل خاص داخل الفضاء الأوروبي والأطلسي، حيث أصبحت عدة عواصم غربية تنظر إلى مقترح الحكم الذاتي ليس فقط كخيار سياسي قابل للتطبيق، بل كآلية عملية لضمان الاستقرار الإقليمي في منطقة الساحل والصحراء التي تواجه تحديات متزايدة مرتبطة بالإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية.

في هذا السياق، يكتسب انتخاب كل من النمسا والبرتغال أهمية خاصة، بالنظر إلى انخراطهما المتزايد في دعم المقاربات البراغماتية لتسوية النزاعات الدولية، وإلى علاقاتهما المتوازنة مع المغرب داخل الفضاء الأوروبي والمتوسطي.

محدودية التأثير المعاكس داخل المجلس

في المقابل، قد يمثل انتخاب زيمبابوي حضور صوت تقليدي داعم لأطروحة جبهة البوليساريو داخل مجلس الأمن، غير أن القراءة الواقعية لموازين القوى داخل الهيئة الأممية تشير إلى أن هذا المعطى لن يكون كافيا لإحداث تحول في مسار القرارات الأممية المتعلقة بالنزاع.

فمنذ سنوات، تتجه قرارات مجلس الأمن نحو ترسيخ محددات واضحة تقوم على الواقعية السياسية، والحل السياسي العملي والدائم، والتوافق بين الأطراف، وهي مفاهيم أصبحت تشكل المرجعية الأساسية لجميع القرارات الصادرة بشأن الصحراء المغربية.

كما أن التحولات التي عرفتها البيئة الدولية، سواء على مستوى المواقف الرسمية للدول المؤثرة أو على مستوى الإدراك المتزايد لأهمية الاستقرار في شمال إفريقيا وغرب الساحل، جعلت من الصعب العودة إلى المقاربات التقليدية التي أثبتت محدوديتها خلال العقود الماضية.

دول الجنوب وإعادة تعريف مفهوم السيادة

ومن زاوية أخرى، يعكس وصول دول مثل قيرغيزستان وترينيداد وتوباغو إلى مجلس الأمن اتجاها متناميا داخل بلدان الجنوب نحو إعادة الاعتبار لمفاهيم السيادة الوطنية ووحدة الدول الترابية باعتبارها مرتكزات أساسية للاستقرار الدولي.

ففي عالم يشهد تصاعد النزعات الانفصالية والنزاعات العابرة للحدود، أصبحت العديد من الدول النامية أكثر حساسية تجاه القضايا المرتبطة بالوحدة الترابية، وأكثر ميلا لدعم الحلول السياسية التي توازن بين احترام السيادة الوطنية ومتطلبات التنمية والاستقرار.

ويبدو أن هذا التحول الفكري والسياسي داخل عدد متزايد من دول الجنوب يتقاطع مع الرؤية التي يدافع عنها المغرب في المحافل الدولية، والتي تقوم على إيجاد حل سياسي نهائي تحت السيادة المغربية، مع توفير ضمانات موسعة للتدبير الذاتي المحلي.

استمرارية الزخم الأممي

من الناحية الجيوستراتيجية، لا ينتظر أن تؤدي التركيبة الجديدة لمجلس الأمن إلى تغيير جذري في مسار التعاطي الأممي مع قضية الصحراء المغربية، بقدر ما ستكرس التوجه القائم منذ سنوات، والقائم على دعم العملية السياسية تحت إشراف الأمم المتحدة، وتشجيع الأطراف على الانخراط في حل واقعي وعملي ومستدام.

وتؤكد المؤشرات الدبلوماسية الحالية أن الملف دخل مرحلة جديدة تتسم بتراجع الأطروحات التقليدية وصعود المقاربات البراغماتية التي تعطي الأولوية للاستقرار الإقليمي والتنمية الاقتصادية والتعاون الأمني في منطقة تواجه تحديات جيوسياسية متزايدة.

وفي ظل هذه المعطيات، تبدو الانتخابات الأخيرة داخل مجلس الأمن أقرب إلى تعزيز مناخ الاستمرارية المؤسساتية والسياسية الذي يحيط بملف الصحراء المغربية، أكثر من كونها مؤشرا على تحول في موازين القوى أو في المرجعيات التي تؤطر المسار الأممي للنزاع. وهو ما يمنح الرباط هامشا إضافيا لمواصلة تعزيز مكاسبها الدبلوماسية وتوسيع دائرة الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الإطار الأكثر واقعية وقابلية للتنفيذ لتسوية أحد أقدم النزاعات الإقليمية المطروحة أمام الأمم المتحدة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com