بين العزلة الدبلوماسية وإعادة التموضع السياسي: بوليساريو تراهن على اليمين الإسباني
بوشعيب البازي
في خضم الحراك الدبلوماسي الذي تشهده قضية الصحراء المغربية، تزامناً مع زيارة المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دي ميستورا، إلى الجزائر بهدف استكشاف فرص إعادة تنشيط العملية السياسية، تبدو جبهة بوليساريو أمام تحديات متزايدة تفرض عليها إعادة صياغة أدواتها السياسية والإعلامية. وفي هذا السياق، تأتي تصريحات زعيم الجبهة، إبراهيم غالي، لصحيفة “آ بي سي” الإسبانية المحافظة، لتعكس محاولة واضحة لإعادة التموضع داخل المشهد السياسي الإسباني، عبر مخاطبة تيارات اليمين المحافظ واليمين المتطرف بخطاب يقوم على استثارة الهواجس المرتبطة بالأمن القومي الإسباني.
لم يكن اختيار المنبر الإعلامي ولا طبيعة الرسائل الموجهة أمراً اعتباطياً. فقد سعى غالي إلى التحذير مما وصفه بـ”الطموحات التوسعية المغربية”، رابطاً بين مستقبل النزاع حول الصحراء وبين وضع مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، في محاولة لاستمالة قطاعات سياسية إسبانية تنظر بحذر إلى تنامي النفوذ الإقليمي للمغرب.
غير أن هذه المقاربة تثير تساؤلات جوهرية حول حدود فعاليتها في ظل التحولات العميقة التي شهدتها العلاقات المغربية الإسبانية خلال السنوات الأخيرة، والتي انتقلت من منطق إدارة الأزمات الظرفية إلى بناء شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد تشمل ملفات الأمن والهجرة والطاقة والتعاون الاقتصادي.
التحولات الإسبانية ومنطق البراغماتية السياسية
رغم استمرار وجود أصوات داخل المشهد السياسي الإسباني تتبنى مواقف متشددة تجاه المغرب، فإن التوجه العام لدى الأحزاب الرئيسية، وعلى رأسها الحزب الشعبي والحزب الاشتراكي العمالي الإسباني، بات أكثر ميلاً إلى تبني مقاربة واقعية قائمة على المصالح الاستراتيجية المشتركة.
وفي هذا الإطار، يرى الباحث في الشؤون الاستراتيجية هشام معتضد أن جبهة بوليساريو تحاول استغلال بعض المواقف المتباينة داخل الساحة الحزبية الإسبانية لإعادة تسويق أطروحتها السياسية، في وقت لم تعد فيه هذه الأطروحة تحظى بنفس مستويات التعاطف التقليدية داخل أوروبا.
ويشير معتضد إلى أن علاقة الأحزاب الإسبانية بالمغرب تخضع أساساً لمنطق المصالح الاستراتيجية وتوازنات القوى الإقليمية، أكثر مما تتأثر بالاعتبارات الإيديولوجية أو الخطابات الشعبوية. فإسبانيا تدرك اليوم أن استقرار فضائها الجنوبي مرتبط بشكل وثيق باستقرار المغرب، باعتباره شريكاً محورياً في قضايا مكافحة الإرهاب، وضبط تدفقات الهجرة غير النظامية، والتعاون الاقتصادي والأمني في منطقة غرب البحر الأبيض المتوسط.
من هذا المنطلق، تبدو محاولات بوليساريو لاستثمار بعض المواقف اليمينية الرافضة لصعود المغرب الإقليمي، أقرب إلى استراتيجية ظرفية تهدف إلى كسر العزلة السياسية المتزايدة التي تواجهها الجبهة، أكثر من كونها رهاناً قادراً على إحداث تحول جوهري في الموقف الإسباني الرسمي.
خطاب مزدوج أمام المجتمع الدولي
بالتوازي مع مخاطبة اليمين الإسباني، كثفت بوليساريو تحركاتها داخل المؤسسات الأممية، من خلال توجيه رسائل إلى مجلس الأمن الدولي تتهم فيها القوات المغربية باستهداف مدنيين في المناطق العازلة شرق الجدار الأمني.
غير أن هذا المسار يطرح إشكالية تتعلق بطبيعة الخطاب الذي تتبناه الجبهة منذ إعلانها في نوفمبر 2020 إنهاء التزامها باتفاق وقف إطلاق النار. فمن جهة، تؤكد تمسكها بخيار المواجهة العسكرية، ومن جهة أخرى، تسعى إلى استثمار مفاهيم القانون الدولي الإنساني لإعادة بناء سردية سياسية تستهدف تعزيز حضورها داخل الأروقة الأممية.
ويرى هشام معتضد أن هذا التناقض يعكس صعوبة التوفيق بين تبعات التصعيد العسكري ومتطلبات الخطاب السياسي الموجه إلى المجتمع الدولي. فالقانون الدولي الإنساني، بحسب تعبيره، لا يخضع لمنطق الانتقائية، ولا يمكن لطرف أعلن انسحابه من ترتيبات وقف إطلاق النار أن يحتفظ في الوقت ذاته بالمكاسب الخطابية المرتبطة بمنطق “الضحية الدائمة” عندما تخدم أجندته السياسية.
ويضيف أن العودة إلى مجلس الأمن للتنديد بانعكاسات التصعيد العسكري على المدنيين تمثل محاولة لإعادة صياغة صورة الجبهة أمام المجتمع الدولي، في وقت تتزايد فيه الدعوات الأممية إلى اعتماد مقاربات أكثر واقعية وبراغماتية لتسوية النزاع.
الواقعية السياسية داخل الأمم المتحدة
تأتي هذه التحركات في سياق دولي يشهد تحولاً تدريجياً في مقاربة الأمم المتحدة للنزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية. فقد باتت قرارات مجلس الأمن خلال السنوات الأخيرة تركز بشكل متزايد على ضرورة التوصل إلى حل سياسي واقعي وعملي ودائم يقوم على التوافق.
ويعكس هذا التحول إدراكاً متنامياً داخل المنظمة الأممية بأن حالة الجمود التي تطبع هذا الملف ترتبط، بدرجة كبيرة، بصعوبة التوفيق بين المبادرات الواقعية المطروحة ومتطلبات الخطاب التقليدي الذي تتبناه الأطراف الانفصالية.
وفي هذا السياق، تكتسب المبادرة المغربية للحكم الذاتي زخماً دولياً متزايداً، باعتبارها إطاراً عملياً يحظى بدعم عدد متنامٍ من القوى الدولية المؤثرة، التي تنظر إليها كحل قادر على تحقيق التوازن بين متطلبات السيادة الوطنية وضمانات التدبير الذاتي المحلي.
ويرى عدد من المراقبين أن هذا التطور يعكس أيضاً المكانة المتقدمة التي بات المغرب يحتلها داخل المنظومة الدولية، سواء من خلال حضوره المتنامي في القضايا الأمنية والإقليمية، أو عبر نجاحه في بناء شبكة واسعة من الشراكات الاستراتيجية على المستويات الإفريقية والأوروبية والأطلسية.
صراع السرديات في مرحلة التحولات الإقليمية
تكشف التحركات الأخيرة لبوليساريو عن إدراك متزايد للتحولات التي يشهدها الملف، سواء على مستوى التوازنات الدولية أو داخل البيئة الإقليمية المحيطة بالنزاع. فمع تراجع فعالية الأدوات التقليدية للتأثير الدبلوماسي، يبدو أن الجبهة تحاول توسيع هامش حركتها عبر استثمار الانقسامات السياسية داخل بعض الدول الأوروبية.
غير أن فعالية هذا الرهان تبقى رهينة بقدرة هذه الأطراف على تجاوز منطق الخطابات الظرفية نحو تقديم بدائل سياسية قابلة للتطبيق وتحظى بقبول دولي واسع.
وفي المقابل، يستمر المغرب في تعزيز مقاربته القائمة على توسيع دائرة الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي، مستفيداً من التحولات الجيوسياسية التي باتت تمنح الأولوية لمفاهيم الاستقرار الإقليمي، والتنمية المشتركة، والحلول السياسية الواقعية.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن مستقبل النزاع يتجه نحو مرحلة جديدة تتراجع فيها تأثيرات الخطابات الإيديولوجية التقليدية لصالح مقاربات أكثر ارتباطاً بمنطق المصالح الاستراتيجية والتوازنات الدولية، وهو ما قد يحدد طبيعة التسويات الممكنة خلال السنوات المقبلة.