في الأيام التي سبقت المواجهة بين الجزائر والأرجنتين، بدا المشهد الإعلامي لدى بعض المنابر الجزائرية أقرب إلى حفل تتويج مُسبق منه إلى تغطية رياضية طبيعية. لم يكن السؤال المطروح: “كيف يمكن للمنتخب الجزائري أن يصمد أمام بطل العالم السابق؟”، بل كان أقرب إلى: “كم هدفاً ستسجل الجزائر في شباك الأرجنتين؟”
ثم جاءت صافرة النهاية. الأرجنتين 3، الجزائر 0.
ثلاثية نظيفة أعادت كرة القدم إلى طبيعتها، بعد فترة قصيرة حاول فيها البعض تحويل الأمنيات إلى تحليلات، والحماس الوطني إلى توقعات علمية، وكأن امتلاك ميكروفون تلفزيوني يمنح تلقائياً شهادة في التنبؤ بالمستقبل.
المفارقة أن جزءاً من الإعلام الجزائري تعامل مع المباراة بمنطق “شواكر أفريقيا”، وهي التسمية الساخرة التي باتت تطلق على حالة من الثقة المفرطة التي تجعل بعض المنتخبات تُتوَّج بطلة للعالم قبل حتى نزولها إلى أرضية الملعب. فالأرجنتين، في بعض الاستوديوهات، لم تكن سوى محطة عابرة في طريق “الخضر” نحو المجد الكروي الكوني.
لكن كرة القدم، تلك الرياضة العنيدة، لديها عادة مزعجة جداً: لا تشاهد البرامج الحوارية.
ففي الملعب، لا تُحتسب نسبة المشاهدة، ولا عدد التصفيقات داخل الاستوديوهات، ولا كمية الشعارات الوطنية التي تُطلق في فواصل البث. هناك فقط تسعون دقيقة من الجهد، التنظيم، الجودة الفنية، والخبرة التكتيكية.
الأرجنتين دخلت المباراة بعقلية منتخب يعرف حجمه الحقيقي. أما بعض الأصوات الإعلامية الجزائرية فقد دخلتها بعقلية من يعتقد أن التاريخ الكروي يُكتب عبر العناوين المثيرة.
والنتيجة؟ ثلاث صفعات كروية هادئة، دون ضجيج، أعادت التذكير بأن الفارق بين الطموح المشروع والوهم المريح هو العمل الجاد.
المشكلة لم تكن أبداً في تشجيع المنتخب الوطني أو الإيمان بقدرته على تحقيق المفاجأة. فهذا حق طبيعي لأي جماهير. المشكلة تبدأ عندما يتحول التشجيع إلى يقين مطلق، وعندما يصبح أي حديث عن صعوبة المواجهة نوعاً من “الخيانة الوطنية”.
لقد نجحت بعض المنابر الجزائرية في بناء صورة لمنتخب لا يُقهر، حتى أصبح مجرد الاعتراف بقوة المنافس أمراً يحتاج إلى شجاعة دبلوماسية.
غير أن الأرجنتين قدمت درساً بسيطاً في الواقعية: الاحترام لا يعني الخوف، والثقة لا تعني الغرور، والطموح لا يعني فقدان الاتصال بالواقع.
ربما تكون الخسارة بثلاثية مناسبة لإعادة النظر في الخطاب الرياضي السائد. فالإعلام الرياضي الحقيقي لا يبيع الأحلام بالتقسيط، ولا يوزع كؤوس العالم عبر الاستوديوهات المكيفة، بل يشرح نقاط القوة والضعف، ويُحضّر الجمهور لتقبل جميع السيناريوهات.
أما مدرسة “سنفوز لأننا نريد ذلك بشدة”، فقد أثبتت مرة أخرى أنها تصلح أكثر للتنمية البشرية منها للتحليل الكروي.
في النهاية، لم تخسر الجزائر أمام الأرجنتين فقط، بل خسر أيضاً ذلك الخطاب الإعلامي الذي اعتاد رفع سقف التوقعات إلى مستويات تجعل الهزيمة تتحول من نتيجة رياضية عادية إلى صدمة وجودية.
ولعل الدرس الأهم هو أن كرة القدم لا تُدار بمنطق المؤتمرات الصحفية ولا بحسابات الحماس الزائد. إنها لعبة بسيطة وقاسية في الوقت نفسه: الفريق الأفضل في ذلك اليوم يفوز.
أما البطولات التي تُحسم قبل انطلاق المباراة، فهي موجودة فقط في عالم العناوين الكبيرة والتوقعات الصغيرة.
ويبقى عزاء بعض المحللين الذين تحدثوا مطولاً عن “الملحمة التاريخية القادمة” أنهم لم يخطئوا تماماً؛ فقد كانت المباراة تاريخية بالفعل، لكن ليس بالطريقة التي توقعوها.