النموذج الديني المغربي.. رافعة للاستقرار الداخلي وأداة للقوة الناعمة في محيط إقليمي مضطرب
بوشعيب البازي
في ظل التحولات الجيوسياسية العميقة التي تشهدها منطقة شمال إفريقيا والساحل، لم يعد الدين مجرد مكون روحي أو ثقافي داخل الدول، بل تحول إلى عنصر مؤثر في معادلات الأمن والاستقرار وبناء الشرعية السياسية. وفي هذا السياق، يبرز النموذج الديني المغربي باعتباره تجربة استثنائية استطاعت أن توفق بين الأصالة الدينية ومتطلبات الدولة الحديثة، وأن تجعل من تدبير الشأن الديني أحد أعمدة الاستقرار الوطني وأداة متقدمة للدبلوماسية الناعمة على المستوى الإقليمي والدولي.
هذا ما خلصت إليه دراسة حديثة للمعهد الأوروبي للدراسات الجيوسياسية التطبيقية، والتي اعتبرت أن المغرب نجح في بناء منظومة دينية متكاملة ومتجانسة، تقوم على مرجعيات تاريخية ومؤسساتية راسخة، مكّنته من تجنب العديد من الهزات التي عرفتها دول أخرى في المنطقة، سواء تلك المرتبطة بصعود الحركات المتشددة أو بالصراعات حول الشرعية الدينية والسياسية.
إمارة المؤمنين.. خصوصية دستورية ومصدر للاستقرار
تكمن إحدى أبرز خصائص النموذج المغربي في مؤسسة إمارة المؤمنين، التي تشكل إطارا فريدا يجمع بين البعد الديني والتاريخي والسيادي للدولة. فهذه المؤسسة، التي يتولاها الملك محمد السادس بصفته أميرا للمؤمنين، لا تقتصر وظيفتها على الرعاية الرمزية للشأن الديني، بل تؤدي دورا محوريا في ضمان وحدة المرجعية المذهبية وحماية المجال الديني من التوظيف السياسي أو الإيديولوجي.
ومن منظور العلوم السياسية، تمثل إمارة المؤمنين نموذجا مختلفا عن التجارب التي شهدت ازدواجية بين السلطة السياسية والسلطة الدينية، وهي الازدواجية التي كانت في عدد من الحالات مصدرا للتوترات والصراعات الداخلية. أما في الحالة المغربية، فقد أسهم هذا التداخل التاريخي بين الشرعية الدينية والشرعية السياسية في تعزيز الاستقرار المؤسساتي وتحصين البلاد من بروز مراكز دينية موازية أو منافسة للدولة.
لقد أظهرت أحداث ما سمي بـ”الربيع العربي” أن المغرب استطاع تدبير مرحلة إقليمية شديدة الحساسية بأقل قدر من الاضطرابات مقارنة بعدد من الدول العربية، وهو ما يفسره العديد من الباحثين بوجود مؤسسات تمتلك شرعية تاريخية ودينية متجذرة في المجتمع، وعلى رأسها مؤسسة إمارة المؤمنين.
من الأمن الديني إلى الأمن المجتمعي
لا ينظر المغرب إلى الدين باعتباره مجرد مجال للعبادة، بل باعتباره أحد مكونات الأمن المجتمعي. ولذلك اعتمد على مدى عقود سياسة قائمة على التنظيم المؤسساتي الدقيق للحقل الديني من خلال وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية والمجلس العلمي الأعلى والمجالس العلمية المحلية.
ويهدف هذا التنظيم إلى توحيد المرجعية الدينية وحماية المجتمع من خطابات التشدد والتطرف، عبر آليات التأطير والتكوين والوقاية الفكرية. فبدل الاقتصار على المقاربات الأمنية التقليدية، اختارت المملكة الاستثمار في بناء مناعة فكرية ومجتمعية طويلة الأمد، تقوم على نشر قيم الوسطية والاعتدال وترسيخ الثقافة الدينية القائمة على المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني.
وتؤكد الدراسة الأوروبية أن هذا النموذج ساهم في الحد من انتشار التأويلات المتطرفة للنصوص الدينية، وفي تقليص المساحات التي تستغلها التنظيمات الراديكالية لتجنيد الأتباع، خصوصا في ظل التحولات الرقمية التي جعلت الفضاء الإلكتروني ساحة مفتوحة للتأثيرات الفكرية العابرة للحدود.
الدبلوماسية الدينية.. المغرب يصدر الاعتدال إلى إفريقيا
لم يعد تأثير النموذج المغربي محصورا داخل الحدود الوطنية، بل أصبح جزءا من استراتيجية أوسع للقوة الناعمة المغربية في إفريقيا. فخلال العقدين الأخيرين، عملت المملكة على تطوير ما يمكن تسميته بـ”الدبلوماسية الدينية”، باعتبارها مكملا للدبلوماسية السياسية والاقتصادية.
وفي هذا الإطار، برز معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات باعتباره إحدى أهم المؤسسات الدينية في القارة الإفريقية، حيث يستقبل سنويا أئمة ومرشدين دينيين من عشرات الدول الإفريقية والأوروبية لتلقي تكوين يجمع بين العلوم الشرعية ومبادئ المواطنة والانفتاح والتعايش.
وتكتسب هذه المبادرة أهمية خاصة في منطقة الساحل الإفريقي التي تواجه تحديات متشابكة تشمل الإرهاب والجريمة المنظمة وضعف الدولة وتنامي النزاعات المجتمعية. فالمغرب يقدم نفسه كشريك في بناء الأمن الروحي والفكري للمنطقة، من خلال نشر خطاب ديني معتدل قادر على مواجهة السرديات المتطرفة التي تتغذى من هشاشة المؤسسات وغياب المرجعيات الدينية المؤطرة.
وفي هذا السياق، يرى الباحث في الشؤون الدينية عبدالله بوصوف أن التجربة المغربية تستمد قوتها من تراكم تاريخي يمتد لقرون، سواء في المجال الإفريقي أو في الفضاء الأندلسي، وهو ما يمنحها القدرة على تقديم أجوبة واقعية للإشكالات المعاصرة المرتبطة بالتطرف والتعايش الديني وإدارة التنوع الثقافي.
التعددية الدينية كعنصر من عناصر الهوية الوطنية
من بين الجوانب التي توقفت عندها الدراسة الأوروبية كذلك، قدرة المغرب على دمج التعددية الدينية والثقافية ضمن سرديته الوطنية. فالمملكة لا تنظر إلى الموروث اليهودي المغربي باعتباره جزءا من الماضي فقط، بل باعتباره مكونا أصيلا من مكونات الهوية الوطنية متعددة الروافد.
وقد انعكس هذا التوجه في السياسات الثقافية والمؤسساتية وفي مشاريع ترميم المعابد والمقابر اليهودية وفي إدراج التاريخ اليهودي المغربي ضمن الذاكرة الوطنية الجماعية. وهو ما يجعل من المغرب نموذجا متميزا في المنطقة في مجال تدبير التنوع الديني والثقافي.
وفي عالم يشهد تصاعد خطابات الكراهية والانغلاق الهوياتي، تشكل هذه المقاربة رصيدا استراتيجيا يعزز صورة المغرب كشريك موثوق في الحوار بين الأديان والثقافات.
تحديات المستقبل ورهان تجديد الخطاب
رغم النجاحات التي حققها النموذج المغربي، فإن الدراسة لم تغفل التحديات الجديدة التي تفرضها التحولات الاجتماعية والثقافية المتسارعة. فالأجيال الشابة أصبحت أكثر ارتباطا بالفضاءات الرقمية العالمية وأكثر ميلا إلى البحث عن إجابات خارج الأطر التقليدية، ما يفرض على المؤسسات الدينية تطوير أدوات التواصل وتجديد الخطاب بما يواكب التحولات الراهنة.
كما يبرز تحدي تأطير الجاليات المغربية بالخارج باعتباره أحد الملفات المعقدة، بالنظر إلى اختلاف البيئات القانونية والثقافية التي تعيش فيها هذه الجاليات، وتعدد الفاعلين الدينيين المؤثرين في المجتمعات الأوروبية.
غير أن هذه التحديات لا تنقص من أهمية التجربة المغربية، بل تؤكد الحاجة إلى مواصلة تطويرها وتعزيز قدرتها على التكيف مع المتغيرات الدولية.
قوة ناعمة في خدمة الاستقرار
تكشف الدراسة الأوروبية أن النموذج الديني المغربي تجاوز منذ سنوات وظيفته التقليدية كإطار لتنظيم الشعائر والعبادات، ليصبح أحد المرتكزات الأساسية للاستقرار السياسي والأمن المجتمعي والإشعاع الدولي للمملكة. فبينما تواجه دول عديدة صعوبات في التوفيق بين الدين والدولة أو بين الهوية والانفتاح، يبدو المغرب اليوم وكأنه يقدم نموذجا خاصا يقوم على التوازن بين الشرعية التاريخية والحداثة المؤسساتية.
ومن منظور جيوستراتيجي، لا يمثل هذا النموذج مجرد خصوصية وطنية، بل أحد أهم عناصر القوة الناعمة المغربية في إفريقيا والفضاء المتوسطي، ورافعة أساسية لتعزيز حضور المملكة كفاعل إقليمي قادر على تصدير الاستقرار في زمن تتزايد فيه بؤر الاضطراب وعدم اليقين.