المنتخب المغربي… حين تتحول كرة القدم إلى رافعة للقوة الناعمة وتكريس الحضور الجيوستراتيجي
بوشعيب البازي
لم يعد ما يحققه المنتخب الوطني المغربي في نهائيات كأس العالم مجرد إنجاز رياضي عابر، بل أصبح حدثاً متعدد الأبعاد تتقاطع فيه الرياضة بالدبلوماسية والثقافة والهوية الوطنية، في مشهد يعكس التحول العميق الذي تعرفه المملكة المغربية على مختلف المستويات. فالتأهل إلى الدور ثمن النهائي من مونديال 2026، عقب الفوز المثير على المنتخب الهولندي، يؤكد أن ما بدأ في مونديال قطر سنة 2022 لم يكن استثناءً تاريخياً، وإنما ثمرة مشروع رياضي متكامل ورؤية استراتيجية بعيدة المدى.
في مدينة مونتيري المكسيكية، قدم “أسود الأطلس” مباراة جسدت شخصية المنتخب المغربي الجديدة؛ شخصية لا تستسلم أمام التأخر في النتيجة، ولا تخشى مواجهة المدارس الكروية الكبرى، بل تؤمن بقدرتها على صناعة الفارق حتى اللحظات الأخيرة. وبعد مباراة اتسمت بالندية والانضباط التكتيكي، نجح المغرب في فرض منطقه الكروي، قبل أن يحسم التأهل عبر ركلات الترجيح، بفضل تألق الحارس ياسين بونو وثبات اللاعبين في واحدة من أكثر المواجهات إثارة في البطولة.
ولعل القيمة الرمزية لهذا الانتصار تتجاوز حدود النتيجة الرياضية، إذ أصبح المغرب أول منتخب عربي يخوض الأشواط الإضافية مرتين في الأدوار الإقصائية لكأس العالم، بعد ملحمة إسبانيا في مونديال قطر، في مؤشر واضح على تحول المنتخب المغربي إلى طرف دائم في المنافسة على أعلى المستويات، وليس مجرد ضيف عابر على المواعيد العالمية.
لقد أثبتت المباراة أمام هولندا أن المنتخب المغربي بات يمتلك هوية كروية مستقلة، قائمة على التوازن بين الصلابة الدفاعية، والقدرة على التحكم في إيقاع اللعب، والانتقال السريع نحو الهجوم، مع حضور ذهني قوي في اللحظات الحاسمة. ورغم تأخره في النتيجة، لم يفقد المنتخب توازنه، بل واصل الضغط حتى أدرك التعادل في الوقت بدل الضائع، قبل أن يحسم المواجهة بإرادة جماعية تعكس نضجاً تكتيكياً ونفسياً أصبح يميز الجيل الحالي.
لكن القراءة الأعمق لهذا الإنجاز تكشف أن كرة القدم المغربية تحولت إلى إحدى أهم أدوات القوة الناعمة للمملكة. ففي عالم أصبحت فيه الرياضة وسيلة لإعادة تشكيل الصورة الدولية للدول، نجح المغرب في توظيف نجاحاته الكروية لتعزيز مكانته الإقليمية والقارية والدولية، مستفيداً من استثمارات ضخمة في البنية التحتية الرياضية، وتطوير مراكز التكوين، والرفع من جودة الحكامة الرياضية، وربط الرياضة بمشروع تنموي شامل تقوده رؤية ملكية جعلت من الاستثمار في الإنسان أساساً للتنمية.
ومن منظور جيوستراتيجي، فإن الحضور المغربي المتواصل في الأدوار المتقدمة لكأس العالم يعزز من مكانة المملكة باعتبارها قوة إقليمية صاعدة لا تقتصر أدوارها على الاقتصاد والدبلوماسية والأمن، بل تمتد إلى المجال الرياضي الذي أصبح أحد مؤشرات النفوذ الدولي. ولم يعد النجاح الرياضي مجرد تتويج داخل المستطيل الأخضر، بل تحول إلى رسالة سياسية وثقافية تعكس استقرار الدولة، وقدرتها على التخطيط الاستراتيجي، وكفاءة مؤسساتها في إدارة المشاريع الكبرى.
كما أن هذا الإنجاز أعاد، مرة أخرى، توحيد الجماهير العربية خلف المنتخب المغربي. فمن الرباط إلى بغداد، ومن الدار البيضاء إلى الكويت، ومن القاهرة إلى الدوحة، عادت الأعلام المغربية لتختلط بالأعلام العربية في المدرجات والساحات العامة، في مشهد يؤكد أن كرة القدم ما تزال تمتلك قدرة استثنائية على تجاوز الحدود السياسية وصناعة لحظات نادرة من الإجماع الشعبي.
لقد أصبح المنتخب المغربي، خلال العقد الأخير، نموذجاً لكيفية بناء مشروع رياضي وطني قائم على الاستمرارية، بعيداً عن منطق الصدفة أو الإنجاز الظرفي. فالاعتماد على الكفاءات الوطنية، والاستفادة من خبرات أبناء الجالية المغربية في أوروبا، والاستثمار في التكوين، كلها عناصر أنتجت منتخباً قادراً على منافسة أكبر المدارس الكروية العالمية.
ولا يمكن إغفال البعد التاريخي لهذا الانتصار، إذ نجح المغرب في رد الاعتبار لخسارته أمام هولندا في مونديال الولايات المتحدة سنة 1994، مؤكداً أن الزمن الكروي المغربي قد تغير، وأن الفوارق التقليدية بين المنتخبات الكبرى والمنتخبات الصاعدة لم تعد قائمة بالحدة نفسها، في ظل تطور المنظومة الكروية الوطنية.
ومع اقتراب مواجهة كندا في الدور ثمن النهائي، تتجه الأنظار إلى قدرة “أسود الأطلس” على مواصلة الحلم العالمي، خاصة أن التجربة المغربية أثبتت أن الطموح لم يعد يقتصر على المشاركة المشرفة، بل أصبح يستهدف المنافسة على أعلى المراتب، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن المشروع الرياضي المغربي دخل مرحلة النضج الكامل.
وفي تقديري، فإن المنتخب المغربي لم يعد يمثل فقط كرة القدم المغربية، بل أصبح يجسد نموذج دولة اختارت أن تجعل من الرياضة استثماراً استراتيجياً في صورتها الدولية، وفي تعزيز تماسكها الداخلي، وفي ترسيخ حضورها داخل منظومة القوة الناعمة العالمية. وما يتحقق اليوم في ملاعب كأس العالم هو، في جوهره، انعكاس لمسار طويل من التخطيط والاستثمار والإرادة السياسية، وهو ما يجعل من كل انتصار رياضي مغربي انتصاراً وطنياً تتجاوز أصداؤه حدود المستطيل الأخضر لتصل إلى فضاءات السياسة والدبلوماسية والاقتصاد والهوية.