حين أصبحت كرة القدم سفيراً للمغرب… الدبلوماسية الموازية التي أعادت رسم صورة المملكة في العالم

بقلم: بوشعيب البازي

Soccer Football - FIFA World Cup 2026 - Round of 32 - Netherlands v Morocco - Estadio Monterrey, Monterrey, Mexico - June 29, 2026 Morocco's Bilal El Khannouss, Anass Salah Eddine and Gessime Yassine celebrate after the match as Morocco qualify for the Round of 16 stage of the World Cup REUTERS/Eloisa Sanchez

لم تعد كرة القدم مجرد لعبة تُحسم نتائجها داخل المستطيل الأخضر، بل تحولت في القرن الحادي والعشرين إلى إحدى أكثر أدوات القوة الناعمة تأثيراً في العلاقات الدولية. وفي الحالة المغربية، لم يعد المنتخب الوطني مجرد فريق يمثل بلداً في المنافسات الرياضية، بل أصبح مؤسسة دبلوماسية موازية تنجح أحياناً فيما تعجز عنه سنوات من العمل الدبلوماسي التقليدي.

لقد أدرك المغرب، مبكراً، أن النفوذ في العالم الحديث لا يُبنى فقط عبر الاتفاقيات السياسية أو المبادلات الاقتصادية، وإنما أيضاً عبر الصورة الذهنية التي تُرسم داخل وجدان الشعوب. وهنا تحديداً، ولدت القوة الناعمة المغربية في نسختها الكروية.

منذ الإنجاز التاريخي الذي حققه أسود الأطلس في كأس العالم بقطر سنة 2022، عندما أصبح المغرب أول بلد إفريقي وعربي يبلغ نصف نهائي المونديال، دخلت المملكة مرحلة جديدة من الحضور الدولي. لم يعد اسم المغرب يُستحضر فقط عند الحديث عن السياحة أو الاستقرار السياسي أو الإصلاحات الاقتصادية، بل أصبح يقترن أيضاً بقيم الإصرار، والانضباط، والتعايش، والهوية الحضارية المنفتحة.

ذلك الإنجاز لم يكن مجرد انتصار رياضي عابر، بل كان لحظة تأسيسية أعادت تعريف موقع المغرب داخل المخيال الجماعي العالمي. فمن الدوحة إلى مونتيري، ومن بروكسيل إلى جاكرتا، تشكلت علاقة وجدانية جديدة بين الشعوب والراية المغربية، علاقة تجاوزت نتائج المباريات لتلامس مفاهيم الانتماء والإعجاب والاحترام.

في الأدبيات الجيوسياسية، يتحدث الباحث الأمريكي جوزيف ناي عن مفهوم “القوة الناعمة”، أي قدرة الدول على التأثير في الآخرين عبر الجاذبية الثقافية والقيم والصورة الإيجابية، بدل الإكراه أو القوة العسكرية. وإذا كان كثير من الدول يستثمر مليارات الدولارات لصناعة هذه الصورة، فإن المغرب وجد في كرة القدم منصة عالمية مجانية وفعالة لتعزيز حضوره الدولي.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه اليوم هو التحول الذي عرفته نظرة الجماهير الأجنبية إلى المنتخب المغربي. ففي كل بطولة كبرى، لم يعد التشجيع مقتصراً على الجالية المغربية المنتشرة في العالم، بل أصبح آلاف المشجعين من جنسيات مختلفة يرتدون القميص المغربي، ويرفعون العلم المغربي، ويهتفون باسم المملكة كما لو كانوا جزءاً من هذا الانتماء الجديد.

هذه الظاهرة ليست عاطفية فقط، بل تحمل دلالات سياسية وثقافية عميقة. فعندما تختار جماهير دولة أخرى أن تمنح ولاءها الرمزي لمنتخب أجنبي، فإنها في الحقيقة تعبر عن إعجابها بالنموذج الذي يمثله ذلك البلد.

ولعل ما شهدته المكسيك خلال نهائيات كأس العالم خير دليل على ذلك. فقد تحولت مدينة مونتيري إلى فضاء احتفالي بالمغرب، حيث اصطف آلاف المكسيكيين لاستقبال بعثة المنتخب الوطني، بينما امتلأت المدرجات بالأعلام المغربية إلى جانب الأعلام المكسيكية، في مشهد نادر في تاريخ المنافسات الدولية. كما خصصت سلطات ولاية نويفو ليون فضاءات رسمية لاستقبال الجماهير المغربية، واستقبل حاكم الولاية رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم في رسالة سياسية تعكس حجم الترحيب الرسمي والشعبي بالمملكة. ⁠

بل إن وسائل إعلام وتقارير متداولة وثقت أن أجواء المباراة أمام هولندا تحولت إلى ما يشبه احتفالاً محلياً بالمنتخب المغربي، بعدما اصطف آلاف المكسيكيين لتشجيع “أسود الأطلس”، في تعبير غير مسبوق عن التعاطف الشعبي مع المغرب، وهو ما عكسته أيضاً شهادات الجماهير المغربية والمكسيكية بعد اللقاء.

هذه المشاهد لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد احتفالات رياضية، بل باعتبارها مؤشراً على نجاح الدبلوماسية الشعبية المغربية في بناء رأسمال رمزي عالمي. فالمنتخب الوطني أصبح يحمل معه صورة المغرب الحديث؛ بلد الاستقرار، والانفتاح، والاستثمار، والتعدد الثقافي، والقدرة على الجمع بين الأصالة والحداثة.

ومن اللافت أن الخصوم أنفسهم باتوا يتحدثون عن المغرب بلغة الاحترام. فمدرب هولندا رونالد كومان أكد قبل مواجهة المنتخب المغربي أن فريقه يستعد لمنافس قوي يستحق كامل الاحترام، بينما اعتبر المدرب المغربي محمد وهبي أن المغرب “أصبح يحظى باحترام العالم” بفضل ما راكمه من إنجازات وثقة بالنفس منذ مونديال قطر.

إن هذا الاحترام الدولي لم يولد من فراغ، بل هو نتيجة سياسة رياضية متكاملة تبنتها المملكة خلال العقدين الأخيرين. فالمغرب استثمر في البنيات التحتية الرياضية، وفي تكوين اللاعبين، وفي مراكز التكوين الحديثة، وفي تنظيم التظاهرات الدولية، إلى أن أصبح اليوم أحد أهم الأقطاب الرياضية في إفريقيا والعالم العربي، وشريكاً أساسياً في تنظيم التظاهرات الكروية الكبرى.

وتكتسب هذه الدينامية بعداً جيوستراتيجياً أكبر بالنظر إلى أن كرة القدم أصبحت اليوم أداة من أدوات المنافسة الدولية بين الدول. فالدول الكبرى لم تعد تتنافس فقط على النفوذ الاقتصادي أو العسكري، وإنما أيضاً على كسب الرأي العام العالمي، وصناعة التعاطف الشعبي، وبناء شبكات التأثير الثقافي.

ومن هذه الزاوية، نجح المغرب في تحقيق ما يمكن وصفه بـ”الدبلوماسية الموازية لكرة القدم”. فهي دبلوماسية لا تتحرك عبر السفارات فقط، بل عبر الجماهير، والمدرجات، وشبكات التواصل الاجتماعي، وابتسامات الأطفال الذين يرتدون القميص المغربي في أقصى بقاع العالم.

لقد أصبح العلم المغربي يرفرف في ملاعب لا علاقة لها بالمغرب جغرافياً، وأصبح النشيد الوطني يُردد في مدرجات تضم جنسيات متعددة، وأصبح اللاعب المغربي يحمل، فوق كتفيه، مسؤولية تتجاوز تسجيل الأهداف إلى تمثيل نموذج حضاري كامل.

إنها لحظة فارقة في تاريخ المملكة؛ لحظة أثبتت أن النفوذ الحقيقي لا يُقاس بعدد البيانات الدبلوماسية، بل بعدد القلوب التي تكسبها الدول حول العالم.

واليوم، يبدو أن المغرب نجح في تحقيق معادلة نادرة: دولةٌ صنعت لنفسها مكانة سياسية متصاعدة، وعززتها بقوة اقتصادية متنامية، ثم أضافت إليها قوة ناعمة جعلت ملايين البشر يختارون، طواعية، أن يحملوا القميص الأحمر، وأن يهتفوا باسم المغرب.

وهكذا، لم تعد كرة القدم مجرد رياضة بالنسبة للمملكة المغربية، بل أصبحت لغة دبلوماسية عالمية، وجواز سفر سيادياً يعبر الحدود دون تأشيرة، ويصل إلى الشعوب قبل أن يصل إلى الحكومات، ليؤكد أن بعض الانتصارات تبدأ بتسجيل هدف… لكنها تنتهي بصناعة أمة أكثر حضوراً في العالم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com