ما وراء التقارب الجزائري–الإسباني: قراءة في توازنات الغاز والردع الجيوسياسي المغربي

بوشعيب البازي

في العلاقات الدولية، لا تكمن الخطورة دائماً في الصور البروتوكولية التي تتصدر وسائل الإعلام، بل في ما قد يُناقش بعيداً عن عدسات الكاميرات، داخل الاجتماعات المغلقة التي تُصاغ فيها التفاهمات السياسية والاقتصادية. ومن هذا المنطلق، أثار التقارب الأخير بين الجزائر وإسبانيا جملة من التساؤلات لدى عدد من المراقبين حول طبيعة التفاهمات التي رافقته، ومدى انعكاسها على التوازنات الإقليمية في غرب البحر الأبيض المتوسط.

وتذهب بعض القراءات والتحليلات السياسية إلى أن هذا التقارب لم يكن مجرد محاولة لإعادة العلاقات الاقتصادية إلى مسارها الطبيعي، بل ارتبط، وفق ما يتم تداوله في بعض الأوساط الإعلامية والسياسية، بنقاشات غير معلنة تناولت ملفات استراتيجية تتجاوز التعاون التجاري، وعلى رأسها ملف الصحراء المغربية، والعلاقات المغربية الإسبانية، ومستقبل التوازنات الجيوسياسية في المنطقة.

وبحسب هذه القراءة، فإن المؤسسات الأمنية المغربية كانت تتابع عن كثب مختلف المؤشرات المرتبطة بهذه التحركات، مستندة إلى ما يوصف بأنه معطيات استخباراتية وتحليلات استباقية مكنت صانع القرار المغربي من تقييم التطورات المحتملة قبل انتقالها إلى مرحلة التنفيذ السياسي. ويُنظر إلى هذا النهج باعتباره امتداداً للعقيدة الأمنية المغربية القائمة على الاستباق، وقراءة التحولات الإقليمية قبل تبلورها بشكل نهائي.

وتشير هذه الرواية إلى أن معطيات وُضعت أمام أعلى مستويات الدولة بشأن لقاءات جمعت، وفق ما يُتداول، مبعوثين جزائريين ومسؤولين إسبان في جنوب إسبانيا، حيث نوقشت ملفات ترتبط بالطاقة والعلاقات الاقتصادية مقابل مراجعة بعض المواقف السياسية. ورغم غياب تأكيد رسمي لهذه المعطيات، فإن مجرد تداولها يعكس حجم التنافس الاستراتيجي الذي يطبع العلاقات الإقليمية في غرب المتوسط.

وتعود جذور هذه المعادلة إلى ملف الغاز الطبيعي، الذي تحول خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أبرز أدوات النفوذ السياسي في المنطقة. فالجزائر سبق أن أوقفت العمل بخط أنبوب الغاز المغاربي–الأوروبي المار عبر المغرب، كما أعلنت في أكثر من مناسبة رفضها إعادة تصدير الغاز نحو المملكة عبر الأراضي الإسبانية. غير أن المغرب استطاع، من خلال مقاربة براغماتية، الاستفادة من البنية التحتية المشتركة مع إسبانيا، بما مكنه من تجاوز جزء مهم من تداعيات هذا القرار.

وفي المقابل، وبعد سنوات من القطيعة الاقتصادية مع مدريد عقب اعتراف الحكومة الإسبانية بمبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها الأساس الأكثر جدية وواقعية لتسوية نزاع الصحراء، عادت الجزائر إلى فتح أبواب التعاون الاقتصادي مع الشركات الإسبانية، بالتزامن مع الحديث عن عروض مرتبطة بزيادة إمدادات الغاز بشروط تفضيلية. وهو تحول دفع العديد من المحللين إلى طرح سؤال جوهري: ما المقابل السياسي الذي تسعى الجزائر إلى تحقيقه من خلال هذا الانفتاح المفاجئ؟

ففي منطق العلاقات الدولية، يصعب الفصل بين الاقتصاد والسياسة. والثروات الاستراتيجية لا تُستخدم عادة خارج حسابات المصالح الوطنية. لذلك يرى بعض الباحثين أن الجزائر تسعى إلى استثمار ورقة الطاقة من أجل استعادة هامش تأثيرها داخل القرار الإسباني، بعد أن فقدت جزءاً من أوراقها عقب التحول الذي عرفه الموقف الرسمي لمدريد بشأن قضية الصحراء المغربية.

وفي المقابل، تؤكد التجربة الدبلوماسية المغربية خلال السنوات الأخيرة أن الرباط باتت تعتمد على أدوات متعددة للدفاع عن مصالحها الاستراتيجية، تجمع بين التحرك الدبلوماسي، والتنسيق الأمني، وإدارة الملفات الإقليمية بمنطق الردع الهادئ، مع الحرص على تجنب الانفعال السياسي أو ردود الفعل المتسرعة.

وفي هذا السياق، يربط بعض المحللين بين التطورات الأخيرة التي شهدتها محاولات العبور غير النظامي نحو مدينة سبتة وبين طبيعة الرسائل السياسية المتبادلة بين الرباط ومدريد، معتبرين أن تصاعد هذه الظاهرة عقب الزيارة الجزائرية لإسبانيا فتح الباب أمام تأويلات متعددة بشأن دلالاتها السياسية، حتى وإن لم يصدر أي موقف رسمي يربط بين الملفين بشكل مباشر.

ويرى أصحاب هذا التحليل أن التحرك المغربي، إن صحت هذه القراءة، اتسم بالتدرج والدقة، حيث بدأ بتطورات محدودة قبل أن يتسع نطاقها تدريجياً، بما يسمح بقياس ردود الفعل الإسبانية، ومدى استعداد الحكومة في مدريد لإعادة تقييم أولوياتها الاستراتيجية في علاقتها مع المغرب.

وقد وضعت هذه التطورات حكومة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز أمام تحديات داخلية معقدة، في ظل تصاعد الانتقادات الصادرة عن المعارضة، وعلى رأسها الحزب الشعبي، بقيادة ألبرتو نونييز فيخو، الذي يواصل تصدر استطلاعات الرأي، ويطالب بمراجعة شاملة لسياسة الحكومة في ملفات الهجرة والعلاقات الخارجية.

وتدرك الرباط، وفق تقديرات عدد من المتابعين، أن المشهد السياسي الإسباني يعيش مرحلة إعادة تشكل قد تفضي إلى وصول اليمين إلى السلطة خلال الاستحقاقات المقبلة، وهو ما يجعل إدارة العلاقة مع مدريد أكثر تعقيداً، ويفرض على الدبلوماسية المغربية اعتماد مقاربة تقوم على تثبيت الوقائع الميدانية، بما يضمن حماية المصالح الاستراتيجية للمملكة، بصرف النظر عن هوية الحكومات الإسبانية المتعاقبة.

وفي المحصلة، فإن التوازنات الجديدة في غرب البحر الأبيض المتوسط لم تعد تُبنى على الاتفاقيات الاقتصادية وحدها، بل أصبحت نتاج تفاعل معقد بين الطاقة، والأمن، والهجرة، والدبلوماسية، والمصالح الجيوسياسية. ومن ثم، فإن أي محاولة لإعادة صياغة هذه التوازنات دون استحضار الثقل الاستراتيجي للمغرب ستظل، وفق العديد من المحللين، رهينة اختبارات ميدانية وسياسية قد تعيد رسم المشهد في أي لحظة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com