مروحيات «كاراكال» تعزز المسار الجديد للتعاون الدفاعي بين المغرب وفرنسا

مجدي فاطمة الزهراء

صفقة تتجاوز اقتناء العتاد إلى إعادة بناء شراكة دفاعية

بروكسل – لا تبدو صفقة مروحيات «H225M كاراكال» مجرد عقد جديد لاقتناء معدات عسكرية فرنسية من جانب المغرب، بل تحمل مؤشرات أوسع على عودة التعاون الدفاعي بين الرباط وباريس إلى مسار أكثر انتظاماً، بعد سنوات طغت خلالها الحسابات السياسية على جزء من العلاقات الثنائية.

وقد اكتسبت الصفقة بعداً مؤسساتياً إضافياً مع ورود اسم المغرب صراحة ضمن كبار زبائن الصناعات الدفاعية الفرنسية في التقرير الذي وجهته وزارة الجيوش الفرنسية إلى البرلمان بشأن صادرات الأسلحة لعام 2026، والصادر في 12 أغسطس/آب الجاري. ويضع التقرير طلبية «كاراكال» ضمن أبرز عقود التسلح الفرنسية التي دخلت حيز التنفيذ خلال سنة 2025.

ورغم أن الوثيقة الفرنسية لا تكشف عدد المروحيات أو القيمة المالية الخاصة بالعقد، فإنها تتيح تثبيت الصفقة ضمن المسار الرسمي للصادرات الدفاعية الفرنسية إلى المغرب، بعدما ظلت تفاصيلها لعدة أشهر موضوعاً لتسريبات وتقارير صحفية متباينة.

قفزة غير مسبوقة في الطلبيات الفرنسية

الأرقام التي أوردتها وزارة الجيوش الفرنسية تكشف التحول بصورة أكثر وضوحاً. فقد ارتفعت قيمة الطلبيات العسكرية الفرنسية الموجهة إلى المغرب من 13.1 مليون يورو سنة 2024 إلى 532.1 مليون يورو سنة 2025، وهو مستوى قياسي في السجلات المنشورة للوزارة منذ عام 2016.

وبلغت القيمة التراكمية للطلبيات المغربية من فرنسا خلال العقد الأخير نحو 1.325 مليار يورو، في مؤشر على أن التعاون الدفاعي بين البلدين لم يعد محصوراً في عمليات شراء متفرقة، وإنما بدأ يستعيد طابعاً أكثر استراتيجية.

غير أن قراءة هذه الأرقام تتطلب قدراً من الدقة. فمبلغ 532.1 مليون يورو يمثل إجمالي الطلبيات العسكرية الفرنسية الموجهة إلى المغرب خلال سنة 2025، وليس قيمة صفقة «كاراكال» وحدها. كما تشير البيانات إلى تسليمات فعلية بقيمة 83.3 مليون يورو، إضافة إلى 42 ترخيصاً للتصدير تمت الموافقة عليها.

وبالتالي، فإن ربط كامل الغلاف المالي بصفقة المروحيات سيكون تبسيطاً لا تدعمه المعطيات الرسمية.

من المفاوضات إلى العقد النهائي

لم يكن اهتمام المغرب بمروحيات «كاراكال» وليد اللحظة. فقد برز هذا الطراز منذ سنوات ضمن الخيارات المطروحة لتحديث أسطول المروحيات العسكرية، خصوصاً في ظل الحاجة إلى استبدال جزء من المنظومات الأقدم وتعزيز قدرات النقل والانتشار.

وتسارعت المباحثات خلال زيارة الدولة التي قام بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى المغرب في أكتوبر/تشرين الأول 2024، حين تحدثت تقارير إعلامية عن احتمال اقتناء المغرب ما يصل إلى 18 مروحية، من بينها 12 للقوات الملكية الجوية وست للدرك الملكي.

غير أن الأرقام التي جرى تداولها آنذاك لم تستقر على صيغة نهائية واحدة. واستمرت المفاوضات التقنية والمالية خلال الأشهر التالية، قبل أن تعلن شركة «إيرباص هيليكوبترز» في 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 توقيع عقد نهائي مع المغرب لتزويده بـ10 مروحيات H225M.

ويمنح التقرير الفرنسي الأخير لهذا المسار غطاءً مؤسساتياً واضحاً، من خلال إدراج الصفقة ضمن عقود التسلح الفرنسية التي دخلت حيز التنفيذ.

لماذا «كاراكال»؟

اختيار المغرب لهذا الطراز يحمل أيضاً دلالات عملياتية. فـ«H225M كاراكال» مروحية عسكرية ثقيلة تنتمي إلى عائلة «سوبر بوما»، وقد صممت لتنفيذ مجموعة واسعة من المهام، تشمل النقل التكتيكي، والعمليات الخاصة، والإجلاء الطبي، والبحث والإنقاذ القتالي.

وبالنسبة إلى القوات المسلحة الملكية، فإن إدخال هذا النوع من المروحيات يمكن أن يعزز قدرات النقل والانتشار السريع، ويمنح القوات قدرة أكبر على تنفيذ عمليات بعيدة المدى، فضلاً عن توفير دعم أكثر فعالية للمهام الإنسانية والإغاثية.

ولا يتعلق الأمر، بالتالي، بمجرد تحديث تقني لأسطول جوي قديم، وإنما بإعادة بناء جزء من القدرات العملياتية على أساس منصات أكثر تطوراً وقابلية للتكيف مع مهام مختلفة.

اللجنة المشتركة للتسلح تعيد رسم العلاقة

صفقة «كاراكال» تندرج كذلك ضمن مسار مؤسساتي أوسع بين المغرب وفرنسا. ففي يوليو/تموز 2024، اتفق البلدان على إنشاء لجنة مشتركة للتسلح، في خطوة هدفت إلى توفير إطار أكثر انتظاماً للتعاون في المجالات الدفاعية والصناعية.

وجاءت زيارة ماكرون إلى الرباط بعد ذلك لتمنح هذا المسار دفعة سياسية قوية، خصوصاً مع حضور مسؤولين بارزين في قطاع الصناعات الدفاعية والطيران ضمن الوفد الفرنسي.

وتكشف هذه التطورات أن التعاون الدفاعي لم يعد منفصلاً عن العلاقات الاقتصادية والصناعية. فالمسألة بالنسبة إلى الطرفين تتجه تدريجياً نحو بناء منظومة تعاون يمكن أن تشمل الاقتناء والصيانة والتكوين ونقل الخبرات، وربما التصنيع والخدمات اللوجستية.

نحو منصة إقليمية للصيانة؟

أحد أكثر الجوانب إثارة للاهتمام في هذا المسار يتعلق باحتمال تطوير خدمات الصيانة والإصلاح والتجديد في المغرب.

وتتطلع «إيرباص هيليكوبترز»، وفق المعطيات المتداولة، إلى إنشاء مركز محلي لخدمات MRO، أي الصيانة والإصلاح والتجديد، بما يسمح بدعم الأسطول المغربي وتوفير خدمات فنية في المنطقة.

وفي حال تحقق هذا المشروع، فإن دلالته ستتجاوز احتياجات المغرب المباشرة، إذ يمكن أن يتحول الموقع إلى منصة إقليمية لخدمة أساطيل مروحيات في دول إفريقية أخرى، خصوصاً في غرب القارة.

وهنا تحديداً تلتقي المصالح المغربية والفرنسية. فالمغرب يسعى منذ سنوات إلى تعزيز موقعه كمركز صناعي ولوجستي للقارة الإفريقية، بينما تبحث الشركات الفرنسية عن أسواق إقليمية جديدة وخدمات ما بعد البيع خارج أوروبا.

من شراء المروحيات إلى شراكة صناعية

لهذا السبب، يصعب قراءة صفقة «كاراكال» باعتبارها عملية شراء عسكرية منفصلة عن سياقها. فالمؤشرات المتراكمة توحي بانتقال تدريجي من علاقة تقوم أساساً على اقتناء المعدات إلى شراكة دفاعية أكثر تعقيداً.

وتملك فرنسا خبرة صناعية وتكنولوجية واسعة في مجال الطيران العسكري، فيما يمتلك المغرب قاعدة صناعية تتوسع تدريجياً في مجالات الطيران والصيانة والخدمات المرتبطة به.

وتسمح هذه المعادلة بإمكانية بناء مصالح متبادلة تتجاوز الصفقات التقليدية، خصوصاً إذا تم تطوير برامج للتكوين ونقل الخبرات وإقامة منشآت للصيانة والخدمات.

عودة التعاون العسكري إلى الواجهة

سياسياً، تأتي هذه التطورات في سياق إعادة ترتيب أوسع للعلاقات المغربية الفرنسية. وبعد فترة اتسمت ببرودة نسبية وتباين في عدد من الملفات، بدأ البلدان منذ 2024 في إعادة بناء الثقة على أساس المصالح المشتركة.

ويبدو أن المجال الدفاعي يمثل أحد أكثر القطاعات قابلية لإعادة إطلاق هذا التعاون، نظراً لحساسيته الاستراتيجية ولوجود مصالح مباشرة لدى الطرفين.

بالنسبة إلى الرباط، لا يتعلق الأمر فقط بالحصول على معدات عسكرية حديثة، وإنما بتنويع الشراكات وتعزيز الاستقلالية العملياتية وتطوير القدرات الصناعية المرتبطة بالدفاع.

أما بالنسبة إلى باريس، فإن استعادة موقعها داخل سوق الدفاع المغربية تعني أيضاً الحفاظ على موطئ قدم مهم في سوق عسكرية إفريقية تتوسع احتياجاتها وتتزايد فيها المنافسة الدولية.

صفقة ذات أبعاد تتجاوز الميدان العسكري

في المحصلة، تمثل «كاراكال» أكثر من عشر مروحيات جديدة. إنها جزء من إعادة صياغة تدريجية للعلاقة الدفاعية بين الرباط وباريس، تقوم على التسلح من جهة، وعلى الصناعة والخدمات والتكوين والشراكة التقنية من جهة أخرى.

وإذا نجح البلدان في تحويل هذه الصفقة إلى برنامج متكامل يشمل الصيانة والتكوين وتطوير القدرات الصناعية، فقد تصبح «كاراكال» نموذجاً لشكل جديد من التعاون العسكري المغربي الفرنسي.

فالمؤشر الأهم في هذه الصفقة ليس عدد المروحيات وحده، ولا قيمة العقد في حد ذاتها، وإنما المسار الذي تفتحه أمام شراكة دفاعية أكثر عمقاً، في وقت يعيد فيه المغرب رسم خريطة تحالفاته العسكرية والصناعية، وتسعى فرنسا إلى استعادة حضورها الاستراتيجي في شمال إفريقيا والقارة الإفريقية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com