الهجرة تعيد إشعال الخلاف بين روما وبرلين: أزمة أوروبية تتجاوز حدود إيطاليا وألمانيا

بوشعيب البازي

خلاف قديم بواجهة جديدة

يتجه الخلاف بين إيطاليا وألمانيا بشأن الهجرة عبر البحر المتوسط إلى مزيد من التصعيد، في وقت كانت فيه مؤسسات الاتحاد الأوروبي تراهن على أن دخول ميثاق الهجرة واللجوء الجديد حيز التنفيذ سيضع حداً لسلسلة من النزاعات التي رافقت إدارة ملف الهجرة خلال السنوات الماضية.

لكن الوقائع تبدو أكثر تعقيداً. فبينما تؤكد روما أنها لم تعد مستعدة لتحمل العبء الأكبر من عمليات الإنقاذ والاستقبال، تتمسك برلين بضرورة احترام القواعد الأوروبية وآليات التضامن المعمول بها بين الدول الأعضاء.

وفي خلفية هذا التجاذب تقف قضية المنظمات غير الحكومية الألمانية التي تنشط في البحر المتوسط، وتنقذ مهاجرين يواجهون خطر الغرق قبل نقلهم إلى موانئ إيطالية.

روما ترفع سقف المواجهة

اختار نائب رئيسة الوزراء الإيطالية ووزير النقل ماتيو سالفيني لهجة حادة في انتقاد السياسة الألمانية، مؤكداً أن بلاده لا ينبغي أن تستقبل مهاجرين تعيدهم ألمانيا، طالما استمرت سفن المنظمات غير الحكومية الألمانية في نقل المهاجرين إلى السواحل الإيطالية.

وتعكس هذه التصريحات موقفاً أوسع داخل الحكومة الإيطالية، إذ ترى رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني ووزير الداخلية ماتيو بيانتيدوزي أن التعامل الأوروبي مع الهجرة لا يمكن أن يستمر بالصيغة الحالية.

بالنسبة إلى روما، لا يتعلق الأمر برفض مبدأ التضامن الأوروبي، وإنما بإعادة تعريفه. فإيطاليا، بحكم موقعها الجغرافي، تتحمل منذ سنوات ضغطاً كبيراً نتيجة وصول قوارب المهاجرين عبر المتوسط، في حين تستفيد دول أوروبية أخرى من موقعها داخل الاتحاد من دون أن تواجه المستوى نفسه من الضغط على حدودها.

برلين تتمسك بالقواعد الأوروبية

في المقابل، تشير الحكومة الألمانية إلى ضرورة الالتزام بالقواعد الأوروبية المشتركة، وفي مقدمتها مقتضيات ميثاق الهجرة واللجوء الجديد.

وتكمن المشكلة في أن مبدأ «دولة الدخول الأولى»، الذي شكل لسنوات إحدى الركائز الأساسية لنظام اللجوء الأوروبي، يضع الدول الواقعة على الحدود الخارجية للاتحاد أمام مسؤوليات أكبر من تلك التي تتحملها الدول الواقعة في العمق الأوروبي.

ومن هنا يأتي الخلاف الإيطالي الألماني ليكشف مرة أخرى عن واحدة من أكثر نقاط الضعف حساسية في السياسة الأوروبية: الاتحاد الأوروبي يملك قواعد مشتركة، لكنه لا يزال يجد صعوبة في ضمان توزيع متوازن للمسؤوليات الناتجة عن تطبيقها.

سفن الإنقاذ في قلب المعركة

أصبحت المنظمات غير الحكومية التي تنشط في البحر المتوسط جزءاً أساسياً من هذا الصراع السياسي.

وترى هذه المنظمات أن مهمتها الأساسية هي إنقاذ أشخاص يواجهون خطر الموت في البحر، بينما تعتبرها السلطات الإيطالية جزءاً من معادلة هجرة أوسع تحتاج إلى مزيد من التنظيم والرقابة.

وقد بلغ التصعيد مرحلة جديدة مع قرار السلطات الإيطالية احتجاز سفينة الإنقاذ الألمانية «سي ووتش 5» لمدة 45 يوماً، إلى جانب فرض غرامة مالية قدرها 4500 يورو على المنظمة التابعة لها.

وتتعرض سفن الإنقاذ التابعة لمنظمات ألمانية وأوروبية لإجراءات مماثلة بصورة متكررة، الأمر الذي جعلها في السنوات الأخيرة إحدى أكثر القضايا إثارة للجدل بين الحكومات والمنظمات الإنسانية.

من يتحمل مسؤولية المهاجر؟

في جوهر الخلاف سؤال قانوني وسياسي أكثر تعقيداً: من يتحمل مسؤولية المهاجر الذي يتم إنقاذه في البحر من قبل سفينة ترفع علم دولة أوروبية، ثم يتم إنزاله في دولة أوروبية أخرى؟

تستند روما إلى حجج مرتبطة بقواعد الملاحة البحرية وطبيعة المسؤولية القانونية للسفن التي ترفع أعلام دول معينة، في محاولة لإعادة طرح السؤال حول مفهوم «دولة الوصول» أو «دولة الاستقبال الأولى».

لكن هذه القراءة تصطدم بمقتضيات نظام اللجوء الأوروبي، الذي يحاول تحديد مسؤوليات الدول الأعضاء بطريقة أكثر شمولاً.

وهنا تكمن الصعوبة الحقيقية: فالقضية لم تعد مجرد خلاف حول أعداد المهاجرين، وإنما أصبحت نزاعاً حول تفسير المسؤولية الأوروبية نفسها.

أرقام محدودة تكشف عمق الأزمة

وفق المعطيات الإيطالية، لم تستقبل البلاد منذ بداية العام سوى ثلاثة مهاجرين أعيدوا من دول أوروبية شريكة، ولم يكن أي منهم قادماً من ألمانيا.

وتقول السلطات الإيطالية إنها رفضت منذ عام 2023 عشرات الآلاف من طلبات إعادة المهاجرين، مبررة ذلك بالضغط الشديد الذي يعاني منه نظام الاستقبال الإيطالي.

هذه الأرقام، بصرف النظر عن اختلاف القراءات السياسية لها، تكشف عن فجوة واضحة بين الآليات التي يفترض أن تنظم التضامن الأوروبي وبين ما يحدث فعلياً على الأرض.

فالقواعد الأوروبية قد تحدد المسؤوليات، لكن تنفيذها يبقى رهيناً بقدرة الدول على التوافق حول كيفية تطبيقها.

ميلوني أمام اختبار سياسي داخلي

لا يمكن فصل موقف الحكومة الإيطالية عن الحسابات السياسية الداخلية.

فجورجيا ميلوني وصلت إلى السلطة وهي تضع ملف الهجرة في مقدمة أولوياتها، وتعهدت بانتهاج سياسة أكثر صرامة تجاه الهجرة غير النظامية وتشديد الرقابة على الحدود.

ولهذا فإن أي تراجع واضح في هذا الملف قد يحمل كلفة سياسية بالنسبة إلى حكومتها، خصوصاً في ظل صعود تيارات يمينية تتبنى مواقف أكثر تشدداً وتضغط على الحكومة من الجهة نفسها.

وتبدو الهجرة، بالتالي، أكثر من مجرد ملف أمني أو إداري؛ إنها ورقة سياسية مؤثرة في موازين القوى داخل إيطاليا وفي علاقاتها مع شركائها الأوروبيين.

اجتماع روما وبرلين تحت المجهر

ومن المنتظر أن يلتقي وزير الداخلية الإيطالي ماتيو بيانتيدوزي نظيره الألماني ألكسندر دوبرينت في اجتماع سيكون اختباراً لقدرة الطرفين على احتواء التصعيد.

وتؤكد برلين وروما، في الوقت نفسه، استمرار التعاون بينهما في مجال الهجرة، في محاولة واضحة لمنع الخلاف من التحول إلى أزمة سياسية مفتوحة.

غير أن استمرار التصريحات المتشددة والإجراءات المتبادلة يؤكد أن الخلاف لم يعد تفصيلاً تقنياً.

أزمة أوروبية أكثر منها ثنائية

ما يجري بين إيطاليا وألمانيا يعكس في الواقع أزمة أوسع داخل الاتحاد الأوروبي. فالدول الواقعة على الحدود الجنوبية تطالب بمزيد من التضامن، بينما تتمسك دول أخرى بقواعد إعادة توزيع المسؤوليات، في وقت تواجه فيه الحكومات ضغوطاً متزايدة من الرأي العام بشأن الهجرة.

ويفترض أن يشكل ميثاق الهجرة واللجوء الجديد محاولة لإعادة ترتيب هذه المعادلة. غير أن نجاحه لن يقاس فقط بالنصوص القانونية، وإنما بقدرته على منع عودة الخلافات القديمة في كل مرة ترتفع فيها أعداد الوافدين عبر البحر المتوسط.

اختبار حقيقي للتضامن الأوروبي

في نهاية المطاف، لا تكمن المشكلة في الخلاف بين روما وبرلين وحدهما، بل في السؤال الذي يواجه الاتحاد الأوروبي بأكمله: هل تستطيع أوروبا أن تتحول من إدارة الأزمات الوطنية إلى سياسة هجرة مشتركة فعلياً؟

فإيطاليا تريد تقاسم الأعباء، وألمانيا تتمسك بالقواعد الأوروبية، والمنظمات الإنسانية تركز على واجب الإنقاذ، بينما تتحرك الحكومات تحت ضغط الحسابات الانتخابية.

وبين هذه المصالح المتعارضة، يبدو أن ملف الهجرة سيظل أحد أكثر الملفات قدرة على كشف حدود المشروع الأوروبي نفسه. وإذا لم تنجح القواعد الجديدة في إيجاد توازن عملي بين حماية الحدود، واحترام حق اللجوء، وتقاسم المسؤوليات، فإن الخلاف الإيطالي الألماني قد لا يكون سوى مقدمة لمواجهات جديدة داخل أوروبا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com