الصحراء المغربية: معطيات صحيفة “لا رازون” الإسبانية تكشف تحولات مقلقة في الطبيعة الجيوستراتيجية للنزاع
حنان الفاتحي
هجوم السمارة… حادث ميداني يتحول إلى مؤشر استراتيجي
لم يعد الهجوم الذي استهدف مدينة السمارة في الأيام الأخيرة مجرد حادث أمني معزول في الأقاليم الجنوبية للمملكة، بل بدأ يأخذ أبعاداً إقليمية ودولية متسارعة، خصوصاً بعد المعطيات التي نشرتها الصحيفة الإسبانية La Razón، المعروفة بمتابعتها الدقيقة لقضايا الدفاع والأمن في الفضاء المتوسطي.
التقرير الميداني الذي نشرته الصحيفة فتح الباب أمام قراءة جديدة لطبيعة التهديدات العسكرية المرتبطة بنزاع الصحراء، بعدما أشار إلى استعمال محتمل لأنظمة تسليح أكثر تطوراً مما كان متداولاً سابقاً في هذا الملف، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول التحولات الجارية في موازين القوة داخل المنطقة.
صحيفة “La Razón” تثير فرضية استخدام صواريخ إيرانية متطورة
بحسب المعطيات التي أوردتها الصحيفة الإسبانية، فإن خبراء عسكريين رجحوا أن تكون المقذوفات المستعملة في الهجوم مرتبطة بمنظومات إيرانية من طراز “آرش-4”، وهي صواريخ تكتيكية يصل مداها العملياتي إلى نحو أربعين كيلومتراً.
ورغم غياب تأكيد رسمي من جهات دولية مستقلة إلى حدود الساعة، فإن مجرد تداول هذه الفرضية داخل الأوساط الأمنية الأوروبية يثير قلقاً متزايداً، بالنظر إلى أن إدخال هذا النوع من التكنولوجيا العسكرية إلى مسرح النزاع يمثل تحولاً نوعياً غير مسبوق في القدرات القتالية المنسوبة إلى جبهة البوليساريو.
ويعتبر عدد من الخبراء أن هذه المعطيات، إن تأكدت، تعكس انتقالاً من حرب استنزاف تقليدية إلى مرحلة أكثر تعقيداً تعتمد على أدوات قتالية ذات دقة ومدى أكبر.
ممرات لوجستية إقليمية تحت مجهر التحليل الأمني
بعيداً عن نوعية السلاح المستعمل، فإن السؤال الأكثر حساسية يتعلق بالمسار اللوجستي الذي سمح، وفق ما أوردته La Razón، بوصول تجهيزات عسكرية متطورة إلى منطقة النزاع.
الصحيفة الإسبانية تحدثت عن وجود دعم لوجستي وتسهيلات إقليمية ساهمت في نقل المعدات والتقنيات المرتبطة بهذه المنظومات، دون تسمية مباشرة لأي طرف رسمي، لكنها ألمحت إلى وجود فضاءات إقليمية قادرة جغرافياً وعسكرياً على لعب هذا الدور.
هذه المعطيات أعادت إلى الواجهة نقاشاً متنامياً داخل بعض الدوائر الأوروبية حول طبيعة الشبكات اللوجستية النشطة في الفضاء الصحراوي-الساحلي، وحول احتمال تحول بعض المناطق الحدودية إلى ممرات غير معلنة لعبور تكنولوجيا عسكرية قادمة من خارج المنطقة.
إيران… تمدد غير مباشر نحو الفضاء المغاربي؟
إذا ثبتت فرضية وجود بصمة تقنية إيرانية في هذا الهجوم، فإن الأمر لن يتعلق فقط بتطور تكتيكي محدود، بل قد يعكس اتجاهاً جيوسياسياً أوسع.
فمنذ سنوات، تعمل طهران على توسيع نفوذها الإقليمي عبر ما يعرف باستراتيجية “الإسناد غير المباشر”، القائمة على نقل التكنولوجيا العسكرية والخبرات القتالية إلى فاعلين غير دولتيين في بؤر توتر متعددة، من الشرق الأوسط إلى البحر الأحمر وصولاً إلى بعض مناطق إفريقيا.
وفي حال تأكدت هذه المعطيات داخل الفضاء المغاربي، فإن ذلك قد يعني أن منطقة شمال إفريقيا دخلت بدورها ضمن خرائط النفوذ غير التقليدي للقوى الشرق أوسطية.
نزاع الصحراء يدخل مرحلة “الحروب الهجينة”
طوال عقود، ظل ملف الصحراء يُدار ضمن مقاربة أممية تقوم على احتواء التوتر والحفاظ على مستوى منخفض من التصعيد العسكري.
غير أن التطورات الأخيرة توحي بأن طبيعة النزاع قد تكون بصدد التحول نحو نموذج أكثر تعقيداً، يقوم على توظيف التكنولوجيا العسكرية المتقدمة، والدعم غير المباشر، والشبكات العابرة للحدود، وهي كلها خصائص مرتبطة بما يعرف اليوم بالحروب الهجينة.
هذا التحول، إن تأكد، سيغير ليس فقط قواعد الاشتباك داخل المنطقة، بل أيضاً طبيعة التعاطي الدولي مع الملف.
المغرب أمام معادلة أمنية جديدة
بالنسبة للمغرب، فإن هذه المؤشرات تفرض إعادة قراءة البيئة الأمنية المحيطة بالأقاليم الجنوبية ضمن منظور أوسع من النزاع التقليدي.
فلم يعد الأمر مرتبطاً فقط بإدارة خلاف سياسي أو احتواء تحركات عسكرية محدودة، بل أصبح مرتبطاً بإمكانية ظهور تهديدات عابرة للحدود، مدعومة بتكنولوجيا متطورة وشبكات إسناد إقليمية ودولية.
وفي هذا السياق، تبدو الشراكات الدفاعية التي راكمتها المملكة خلال السنوات الأخيرة مع عدد من القوى الغربية، أكثر أهمية من أي وقت مضى، في ظل بيئة إقليمية تتجه تدريجياً نحو مزيد من التعقيد.
وإذا ما تأكدت المعطيات التي كشفت عنها صحيفة La Razón الإسبانية عبر تحقيقات مستقلة أو تقارير استخباراتية لاحقة، فقد يسجل هجوم السمارة ليس فقط كحادث أمني عابر، بل كنقطة تحول استراتيجية أعلنت دخول نزاع الصحراء مرحلة جديدة… مرحلة تتقاطع فيها الجغرافيا المحلية مع حسابات القوة الإقليمية والدولية.