وقفة بروكسيل من أجل معتقلي الرأي بالمغرب: صوت الجالية الريفية بين الذاكرة الحقوقية والرهانات السياسية
بوشعيب البازي
بروكسيل – من قلب الحي الأوروبي، وعلى مقربة من المؤسسات التي تُصاغ فيها السياسات الحقوقية للاتحاد الأوروبي، شهدت ساحة “لا موني” وسط العاصمة البلجيكية بروكسيل وقفة احتجاجية نظمها “تجمع الريفيين ببلجيكا”، للمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين بالمغرب، وفي مقدمتهم معتقلو حراك الريف.
الوقفة، التي عرفت مشاركة أفراد من الجالية المغربية المنحدرة من منطقة الريف، إلى جانب نشطاء حقوقيين ومتضامنين من خلفيات مختلفة، أعادت إلى الواجهة ملف الاعتقالات المرتبطة بالحركات الاحتجاجية التي شهدها المغرب خلال السنوات الأخيرة، وفتحت نقاشاً جديداً حول العلاقة بين العدالة والاحتجاج السياسي وحقوق الإنسان.
الحراك كامتداد لسياق اجتماعي وسياسي
رفع المشاركون شعارات تطالب بالإفراج عن جميع معتقلي الرأي، معتبرين أن استمرار اعتقال عدد من النشطاء المرتبطين بحراك الريف يشكل أحد الملفات الحقوقية العالقة التي لا تزال تستأثر باهتمام جزء من الرأي العام المغربي والدولي.

ويعود حراك الريف إلى سنة 2016، عقب وفاة بائع السمك محسن فكري بمدينة الحسيمة، وهي الحادثة التي تحولت إلى شرارة احتجاجات اجتماعية واسعة رفعت مطالب مرتبطة بالتنمية والعدالة المجالية وتحسين الخدمات العمومية. ومنذ ذلك الحين، ظل الملف حاضراً في النقاشات الحقوقية والسياسية داخل المغرب وخارجه.
ويرى عدد من المتابعين أن استمرار التعبئة حول هذا الملف داخل أوساط الجالية المغربية بأوروبا يعكس عمق الارتباط العاطفي والسياسي الذي ما تزال تحتفظ به فئات واسعة من أبناء الريف تجاه قضايا منطقتهم الأصلية، خاصة في ظل وجود جيل جديد من النشطاء الذين يوظفون فضاءات الديمقراطيات الأوروبية للتعبير عن مطالبهم.
بروكسيل… منصة أوروبية للضغط الحقوقي
لم يكن اختيار ساحة “لا موني” ببروكسيل اعتباطياً. فالمدينة تُعد مركزاً سياسياً ودبلوماسياً أوروبياً بامتياز، وتحتضن مقرات الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي وعدداً كبيراً من المنظمات الدولية والحقوقية.
وفي هذا السياق، يندرج تنظيم مثل هذه الوقفات ضمن استراتيجية تعتمدها العديد من الحركات المدنية والجاليات المهاجرة من أجل تدويل بعض الملفات الحقوقية وإيصال رسائلها إلى صناع القرار الأوروبيين. فبروكسيل أصبحت خلال العقدين الأخيرين فضاءً مفضلاً للتعبير السياسي العابر للحدود، حيث تتقاطع فيها مطالب الجاليات مع أجندات حقوق الإنسان الدولية.
ويرى باحثون في شؤون الهجرة أن الجالية المغربية في بلجيكا، وخاصة ذات الأصول الريفية، استطاعت خلال السنوات الأخيرة بناء شبكات مدنية وإعلامية مكنتها من الحفاظ على حضور مستمر في النقاشات المتعلقة بحقوق الإنسان والديمقراطية والتنمية بالمغرب.
بين الذاكرة الجماعية والرهان الحقوقي
تكتسب هذه الوقفات بعداً يتجاوز المطالب الآنية المرتبطة بالإفراج عن المعتقلين، لتلامس أيضاً مسألة الذاكرة الجماعية لمنطقة الريف وعلاقتها بالدولة المركزية. فالكثير من الشعارات والخطابات التي رُفعت خلال الوقفة استحضرت مفاهيم الكرامة والعدالة والمصالحة، وهي مفاهيم تحضر بقوة في الأدبيات السياسية والاجتماعية المرتبطة بتاريخ المنطقة.
ومن منظور جيوستراتيجي، تعكس هذه التحركات استمرار تأثير الفاعلين غير الحكوميين في تشكيل صورة الدول داخل الفضاء الأوروبي. ففي زمن أصبحت فيه الدبلوماسية العامة وحقوق الإنسان جزءاً من أدوات التأثير الدولي، لم تعد الجاليات مجرد امتداد اجتماعي لبلدانها الأصلية، بل تحولت إلى فاعل قادر على التأثير في النقاشات العمومية وصناعة السرديات السياسية.
الجالية المغربية بين الاندماج والمواطنة العابرة للحدود
تكشف الوقفة أيضاً عن تطور مفهوم المشاركة السياسية لدى أبناء الجيلين الثاني والثالث من المغاربة المقيمين في أوروبا. فهؤلاء لم يعودوا ينظرون إلى أنفسهم باعتبارهم مجرد مهاجرين أو أبناء مهاجرين، بل كفاعلين مدنيين يمارسون شكلاً من أشكال “المواطنة العابرة للحدود”، حيث يجمعون بين انتمائهم إلى بلدان الإقامة واهتمامهم بالقضايا السياسية والاجتماعية المرتبطة ببلد الأصل.
وفي هذا الإطار، تبدو التحركات التي تشهدها بروكسيل بين الفينة والأخرى مؤشراً على استمرار حضور الملفات الحقوقية المغربية ضمن اهتمامات جزء من الجالية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقضايا تحظى برمزية سياسية واجتماعية قوية مثل ملف معتقلي حراك الريف.
بعيداً عن السجالات السياسية المعتادة، تعكس وقفة ساحة “لا موني” ببروكسيل استمرار حيوية النقاش الحقوقي المرتبط بمعتقلي الرأي في المغرب، كما تؤكد أن الجاليات المغربية بأوروبا أصبحت فاعلاً مؤثراً في نقل هذا النقاش إلى الساحة الدولية. وبين مطالب الإفراج عن المعتقلين ورهانات المصالحة السياسية وحقوق الإنسان، يظل هذا الملف أحد أبرز المؤشرات على التفاعل المستمر بين الداخل المغربي وامتداداته المجتمعية عبر الضفة الأخرى من المتوسط.