حين تتحول “البثوث المباشرة” إلى محاضر استماع: نهاية موسم البطولة الافتراضية ضد المغرب

بوشعيب البازي

في زمن أصبحت فيه بعض منصات التواصل الاجتماعي أشبه بمحاكم متنقلة، يتقمص فيها أصحاب الهواتف الذكية أدوار القضاة والمحققين والخبراء في القانون والإدارة والأخلاق العامة، يبدو أن الواقع لا يزال يحتفظ لنفسه بامتياز بسيط: وجود قوانين فعلية، ومحاكم حقيقية، ومساطر قضائية لا تُدار عبر زر “البث المباشر”.

وفي هذا السياق، جاء توقيف مواطنة فرنسية من أصول جزائرية بمطار مراكش المنارة، للاشتباه في تورطها في نشر محتويات رقمية تضمنت تشهيراً وإساءة إلى المواطنين المغاربة، إضافة إلى توجيه اتهامات مباشرة لموظفين عموميين بالارتشاء والمعاملة التفضيلية أثناء أدائهم لمهامهم المرتبطة بتطبيق قانون السير.

اللافت في هذه القضية ليس فقط الجانب القضائي المرتبط بالاتهامات المنسوبة إلى المعنية بالأمر، وإنما أيضاً التحول الذي عرفته بعض فضاءات التواصل الاجتماعي إلى منصات لتصفية الحسابات الشخصية تحت غطاء “حرية التعبير”. فهناك من يعتقد أن امتلاك حساب يتابعه بضعة آلاف من الأشخاص يمنحه حصانة دبلوماسية رقمية، أو يخول له إصدار الأحكام وإدانة الأفراد والمؤسسات دون تقديم أدلة أو اللجوء إلى المساطر القانونية المتاحة.

لقد رسخت شبكات التواصل لدى البعض قناعة غريبة مفادها أن الهاتف الذكي أصبح أعلى درجة من مؤسسات العدالة، وأن عدد المشاهدات يمكن أن يحل محل قرينة الإثبات، وأن الانفعال اللحظي يغني عن مسؤولية الكلمة. وهي معادلة مغرية للغاية، لكنها تنهار سريعاً عندما تصطدم بمنظومة قانونية تعتبر أن حرية التعبير حق أصيل، لكنها لا تتحول إلى رخصة مفتوحة للتشهير أو القذف أو المس بسمعة الأشخاص والمؤسسات.

وفي خضم هذا المشهد، يبدو أن البعض لم يستوعب بعد أن الانتقال من باريس إلى مراكش لا يغير فقط الطقس ودرجة الحرارة، بل يعيد أيضاً تفعيل قاعدة قانونية بسيطة: لكل دولة قوانينها، ولكل فضاء عمومي، بما فيه الرقمي، ضوابطه ومسؤولياته.

وبحسب المعطيات المتوفرة، فإن الأبحاث القضائية التي جرت تحت إشراف النيابة العامة المختصة أسفرت عن إصدار مذكرة بحث على الصعيد الوطني في حق المشتبه فيها، قبل أن يتم توقيفها أثناء استعدادها لمغادرة التراب الوطني في اتجاه فرنسا. وهي واقعة تذكر بأن العالم الافتراضي، رغم اتساعه، لم يتحول بعد إلى منطقة خارجة عن اختصاص القانون.

الأهم من القضية في حد ذاتها هو النقاش الذي تعيده إلى الواجهة حول الحدود الفاصلة بين النقد المشروع والتشهير، وبين الحق في التعبير والرغبة في الإدانة الجماعية. فانتقاد أداء مؤسسة عمومية أو التبليغ عن تجاوزات محتملة يظل حقاً مشروعاً، بل وضرورة في المجتمعات الحديثة، غير أن هذا الحق يفقد مشروعيته عندما يتحول إلى اتهامات قطعية غير مدعومة بأدلة أو إلى إساءات تستهدف فئات كاملة من المواطنين على أساس الانتماء الوطني.

لقد أنتج العصر الرقمي نوعاً جديداً من “المؤثرين القضائيين” الذين يعتقدون أن البث المباشر يمكن أن يحل محل محاضر الضابطة القضائية، وأن التصفيق الافتراضي يعادل حكماً نهائياً غير قابل للطعن. لكن الواقع يظل أقل حماساً وأكثر تعقيداً؛ فالقوانين لا تُكتب في خانة التعليقات، والأحكام لا تُصدر عبر خاصية “المشاركة”.

في نهاية المطاف، لا يتعلق الأمر بجنسية المشتبه فيها أو بخلفياتها الشخصية، بل بمبدأ أكثر بساطة وعمومية: حرية التعبير قيمة أساسية، لكنها تظل مرتبطة بمسؤولية قانونية وأخلاقية. وبين الحق في إبداء الرأي وواجب احترام القانون، توجد مساحة دقيقة لا يدرك أهميتها غالباً إلا أولئك الذين ينتقلون، بشكل مفاجئ، من دائرة المتابعين إلى دائرة البحث القضائي.

إن الدرس الذي تطرحه هذه الواقعة ليس أن الصمت أفضل من الكلام، بل إن الكلمة، خصوصاً في العصر الرقمي، لم تعد عابرة كما يعتقد البعض. فهي قد تحصد آلاف الإعجابات في لحظة، لكنها قد تجد طريقها أيضاً إلى ملف قضائي أكثر اهتماماً بالوقائع من عدد المشاهدات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com