تشكل قضية الهجرة غير النظامية أحد أكثر الملفات تعقيدًا في العلاقات المغربية الأوروبية، ليس فقط بسبب أبعادها الأمنية والإنسانية، وإنما أيضًا لأنها أصبحت اختبارًا حقيقيًا لطبيعة الشراكة بين الضفتين. وقد أعادت التطورات الأخيرة المرتبطة بمدينة سبتة هذا الملف إلى واجهة النقاش، في سياق اتسم بارتفاع منسوب الخطاب السياسي والإعلامي، وبروز تساؤلات حول مدى ملاءمة الإطار الحالي للتعاون بين المغرب والاتحاد الأوروبي.
في هذا السياق، حملت التصريحات الصادرة عن مصدر حكومي مغربي دلالات سياسية واضحة، عندما أكد أن المغرب “ليس شرطيًا ولا حارسًا لأوروبا، وليس مقاولًا من الباطن في تدبير ملف الهجرة”، بل دولة ذات سيادة تتعامل مع هذا الملف انطلاقًا من مصالحها الوطنية والتزاماتها الدولية. ويعكس هذا الخطاب تحولًا في الرؤية المغربية، يقوم على إعادة تعريف موقع المملكة داخل منظومة التعاون الإقليمي، باعتبارها شريكًا استراتيجيًا لا مجرد منفذ للسياسات الأوروبية المتعلقة بضبط الحدود.
لقد نجح المغرب، خلال العقدين الأخيرين، في تطوير منظومة متقدمة لمراقبة حدوده البرية والبحرية، مستثمرًا موارد مالية وبشرية وتقنية كبيرة لمواجهة شبكات الاتجار بالبشر والهجرة غير النظامية. غير أن هذا الجهد ظل يُقرأ، في بعض الدوائر الأوروبية، باعتباره خدمة أمنية تؤديها الرباط لحماية الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي، وهو تصور ترى فيه المملكة اختزالًا لدورها الإقليمي وتجاهلًا لحقيقة أن حماية الحدود المغربية تمثل، قبل كل شيء، جزءًا من منظومة الأمن القومي المغربي.
وتؤكد المعطيات الرسمية أن المغرب يتحمل سنويًا تكلفة تقارب 500 مليون يورو لتدبير ملف الهجرة، بينما لا يتجاوز حجم الدعم الأوروبي المخصص لهذا المجال نحو 145 مليون يورو. غير أن النقاش، كما تؤكد الرباط، لا يتعلق بالفارق المالي بقدر ما يرتبط بطبيعة العلاقة السياسية والاستراتيجية بين الطرفين. فالمسألة لم تعد قضية تمويل عمليات المراقبة الحدودية، بل تتعلق بإعادة بناء شراكة تقوم على تقاسم المسؤوليات، والاعتراف بالمصالح المتبادلة، وإرساء رؤية مشتركة لمعالجة الظاهرة.
ومن هذا المنطلق، يرفض المغرب المقاربة التي تختزل الهجرة في بعدها الأمني فقط. فمنذ إطلاق الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء، تبنت المملكة تصورًا أكثر شمولًا، يربط بين تدبير الحدود واحترام حقوق الإنسان والتنمية الاقتصادية والإدماج الاجتماعي. ويعكس هذا التوجه إدراكًا متزايدًا بأن الهجرة ليست سببًا في حد ذاتها، وإنما نتيجة لاختلالات تنموية وسياسية وأمنية تتجاوز حدود الدول.
كما أن الأحداث الأخيرة أبرزت محدودية المقاربة الأمنية الصرفة. فحتى مع تشديد إجراءات المراقبة، تظل دوافع الهجرة قائمة ما دامت الفوارق الاقتصادية والاجتماعية بين ضفتي المتوسط مستمرة، وما دامت مناطق واسعة في إفريقيا تعاني هشاشة اقتصادية واضطرابات سياسية ونزاعات مسلحة. لذلك فإن أي سياسة أوروبية تركز على تعزيز الرقابة الحدودية دون الاستثمار في التنمية الاقتصادية للدول الشريكة ستظل عاجزة عن معالجة جذور الظاهرة.
وفي هذا الإطار، تبدو إسبانيا الطرف الأوروبي الأكثر إدراكًا لأهمية التعاون المتوازن مع المغرب، بالنظر إلى الترابط الجغرافي والمصالح الأمنية المشتركة. وقد أكدت مدريد، في أكثر من مناسبة، أن التنسيق الأمني والاستخباراتي مع الرباط يمثل عنصرًا أساسيًا في إدارة ملفات الهجرة ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة. كما أظهرت التطورات الأخيرة في سبتة فعالية قنوات التواصل المباشر بين البلدين، بما سمح باحتواء الأزمة خلال فترة وجيزة نسبيًا.
غير أن نجاح النموذج المغربي الإسباني لا ينبغي أن يحجب الحاجة إلى مراجعة الإطار الأوسع للعلاقة بين المغرب والاتحاد الأوروبي. فالتحديات الراهنة تتطلب انتقالًا من منطق إدارة الأزمات إلى منطق بناء شراكة استراتيجية طويلة المدى، تقوم على الثقة المتبادلة، والتشاور السياسي المنتظم، والتكامل الاقتصادي، وتقاسم الأعباء بصورة أكثر عدالة.
ويزداد هذا التحول أهمية في ضوء المتغيرات الجيوسياسية التي يعرفها الفضاء المتوسطي، حيث أصبحت المملكة المغربية فاعلًا محوريًا في قضايا الأمن الإقليمي والطاقة والاستثمار والربط اللوجستي والتعاون مع العمق الإفريقي. ولم تعد الهجرة سوى أحد أبعاد هذه المكانة الجديدة، وليست الإطار الوحيد الذي ينبغي أن يحدد طبيعة العلاقة مع أوروبا.
إن إعادة صياغة قواعد الشراكة المغربية الأوروبية أصبحت ضرورة استراتيجية أكثر منها مطلبًا سياسيًا ظرفيًا. فالعلاقات التي تُبنى على المصالح المشتركة لا يمكن أن تستمر بمنطق توزيع الأدوار التقليدي، الذي يحصر أحد الأطراف في وظيفة الحراسة الأمنية. كما أن استدامة التعاون في ملف الهجرة تقتضي الانت