القاصرون المغاربة غير المرفوقين في سبتة: الرباط تؤكد استعدادها للإعادة وإسبانيا تواجه تعقيدات الداخل
بوشعيب البازي
بروكسل – أعاد تدفق القاصرين غير المرفوقين إلى مدينة سبتة إلى الواجهة واحدًا من أكثر ملفات الهجرة حساسية بين المغرب وإسبانيا، في وقت تحاول فيه السلطات الإسبانية احتواء ضغط متزايد على مراكز الإيواء، بينما تؤكد الرباط أن استعدادها للتعاون بشأن إعادة القاصرين قائم، وأن العقبات الأساسية التي تحول دون تسريع العملية ترتبط بالإطار القانوني والإداري والسياسي الإسباني.
وفي هذا السياق، أكد مصدر دبلوماسي مغربي أن المملكة، تنفيذًا للتعليمات الملكية السامية الموجهة إلى وزارتي الداخلية والشؤون الخارجية، انخرطت في عملية تحديد هوية القاصرين غير المرفوقين، تمهيدًا لإعادتهم إلى المغرب، مشددًا على استعداد الرباط للتنسيق مع مدريد وباقي الشركاء الأوروبيين من أجل معالجة هذا الملف.
ويحاول الموقف المغربي، وفق المصدر نفسه، وضع حد للجدل المتكرر حول ما إذا كانت الرباط تتعاون فعليًا في ملف إعادة القاصرين. فالمغرب، بحسب الرواية الرسمية، لا يرفض مبدأ الاستعادة، وإنما يشترط أن تتم العملية في إطار قانوني واضح، وبعد استكمال إجراءات تحديد الهوية والتحقق من المعطيات المتعلقة بكل حالة.
حين يصبح القانون الإسباني جزءًا من المشكلة
المعضلة، وفق هذا التصور، لا تتوقف عند العلاقات المغربية الإسبانية، بل تمتد إلى البنية القانونية والمؤسساتية الإسبانية نفسها. فإعادة القاصر غير المرفوق ليست إجراءً إداريًا بسيطًا يمكن تنفيذه بقرار سياسي منفرد، وإنما ترتبط بسلسلة من الإجراءات المتعلقة بإثبات السن والهوية، والاستماع إلى المعنيين، وإعداد التقارير الاجتماعية والقانونية، والتحقق من إمكانية إعادة القاصر إلى أسرته أو إلى جهة قادرة على ضمان رعايته.
وتزداد المسألة تعقيدًا عندما تتداخل هذه الإجراءات مع توزيع المسؤوليات بين الحكومة المركزية والأقاليم الإسبانية، خصوصًا في المدن والمناطق التي تواجه ضغطًا استثنائيًا بفعل تدفقات الهجرة.
وفي سبتة، تبدو الأزمة أكثر حدة. فقد أكد رئيس الحكومة المحلية، خوان خيسوس فيفاس، أن المدينة لا تزال تؤوي نحو 1100 قاصر، في حين لا تتجاوز الطاقة الاستيعابية لمراكز الإيواء المتخصصة، وفق المعطيات المقدمة، 90 شخصًا. وهو وضع وصفه المسؤول المحلي بأنه غير قابل للاستمرار، مطالبًا الحكومة المركزية بتقديم دعم عاجل.
وتعكس هذه الأرقام حجم الاختلال بين أعداد القاصرين الموجودين على الأرض وقدرة البنية المؤسساتية المحلية على استيعابهم. كما أن وجود عدد من القاصرين خارج مراكز الإيواء يضيف بعدًا اجتماعيًا وأمنيًا إلى أزمة إنسانية أصبحت تتجاوز قدرة مدينة صغيرة مثل سبتة على إدارتها بمفردها.
25 مليون يورو ومراكز استقبال مؤقتة
وفي محاولة لتخفيف الضغط، أعلنت وزارة الشباب والطفولة الإسبانية تخصيص تمويل طارئ بقيمة 25 مليون يورو لدعم رعاية القاصرين في سبتة، إلى جانب تحويل مدرستين إلى مراكز استقبال مؤقتة، ولا سيما لاستقبال الفتيات غير المصحوبات.
غير أن ضخ الموارد المالية لا يعالج وحده جوهر المشكلة. فالأزمة لا تتعلق فقط بعدد الأسرّة المتاحة، وإنما أيضًا بكيفية توزيع القاصرين بين الأقاليم الإسبانية، وبمدى استعداد السلطات المحلية لاستقبالهم، فضلًا عن الإجراءات القانونية المرتبطة بإمكانية إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية.
وهنا يظهر أحد أبرز جوانب التناقض في المشهد الإسباني: فالقوانين تتيح آليات لإعادة توزيع القاصرين الموجودين في المناطق الأكثر ضغطًا على أقاليم أخرى، لكن تطبيق هذه الآليات يظل عرضة للتجاذبات السياسية والاعتراضات المحلية.
الهجرة تتحول إلى ورقة في الصراع الحزبي
لم يعد ملف القاصرين في إسبانيا قضية إدارية أو اجتماعية فقط، بل أصبح جزءًا من السجال السياسي الداخلي. فقد عارض حزب الشعب وحزب فوكس استقبال أعداد إضافية من القاصرين في بعض الأقاليم، في وقت تدافع فيه الحكومة المركزية عن ضرورة تقاسم الأعباء بين مختلف المناطق.
ويكشف هذا الخلاف عن معضلة أعمق في إدارة الهجرة الإسبانية: الحكومة المركزية تمتلك مسؤولية سياسية في التعامل مع الظاهرة، لكن جزءًا مهمًا من تدبيرها الاجتماعي والإداري يقع على عاتق الأقاليم، ما يجعل أي سياسة وطنية رهينة بدرجة من التوافق بين مستويات الحكم المختلفة.
وقد سبق لحزب الشعب أن دعم، في عام 2024، خطة حكومية لنقل مئات القاصرين من جزر الكناري إلى مناطق أخرى في إسبانيا. غير أن المواقف السياسية من الملف تغيرت تبعًا للظرف السياسي، وهو ما يوضح أن ملف الهجرة أصبح، بصورة متزايدة، جزءًا من المنافسة الحزبية.
وفي المقابل، شدد ممثل الحكومة في سبتة، ميغيل أنخيل بيريز، على أن التضامن بين الأقاليم ضروري، وأن تطبيق القانون يجب أن يظل المرجعية الأساسية في التعامل مع هؤلاء القاصرين.
الرباط ترفض تحويل الملف إلى أداة ضغط
من الجانب المغربي، تبدو الرسالة الدبلوماسية واضحة: المملكة لا تريد أن يتحول ملف القاصرين إلى وسيلة لتبادل الاتهامات أو إلى ورقة ضغط في العلاقات الثنائية.
وأكد المصدر الدبلوماسي المغربي أن الادعاءات التي تتحدث عن رفض المغرب التعاون في إعادة القاصرين غير المرفوقين لا تستند، وفق الرواية المغربية، إلى أساس واقعي، مشددًا على أن المملكة تفي بالتزاماتها وتتعامل مع الملف في إطار التعاون مع الشركاء.
كما اعتبر المصدر أن بعض الفاعلين السياسيين يستعملون القضية لأهداف انتخابية، مؤكدًا أن الرباط لا يمكنها قبول تحويل هذا الملف الإنساني إلى أداة للمزايدات السياسية أو تحميل المغرب مسؤولية عراقيل تنشأ داخل المنظومة الإسبانية نفسها.
وفي الاتجاه ذاته، يرى الخبير في الشؤون السياسية والاستراتيجية هشام معتضد أن التعاون المغربي مع الشركاء الأوروبيين يقوم على مبدأ حسن الجوار والتنسيق العملي، داعيًا الفاعلين السياسيين في مدريد وسبتة إلى الاعتراف بالجهود التي تبذلها المملكة في تدبير ملف الهجرة.
أزمة تتجاوز سبتة
ولا يمكن فصل أزمة القاصرين عن موجة الهجرة الجماعية التي شهدتها سبتة أخيرًا. ووفق المعطيات الإسبانية الواردة، أعادت السلطات الإسبانية نحو 70 ألف شخص من أصل قرابة 72 ألف مهاجر دخلوا المدينة في 30 يوليو الماضي، في واحدة من أكبر عمليات إعادة المهاجرين المرتبطة بالمدينة.
وكانت وزارة الداخلية الإسبانية قد أعلنت أن مدريد والرباط اتفقتا على مراجعة وتفعيل الإجراءات التي تتيح إعادة الأشخاص الذين دخلوا سبتة بصورة غير قانونية.
لكن الأرقام، رغم ضخامتها، لا تلغي تعقيد الحالات الفردية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالقاصرين. فالقاصر غير المرفوق يخضع لحماية قانونية خاصة، ما يجعل التعامل معه مختلفًا عن التعامل مع المهاجر البالغ. ومن ثم فإن أي عملية إعادة تحتاج إلى التحقق من السن والهوية والروابط الأسرية والضمانات المتعلقة بمستقبله بعد العودة.
وهذا ما يجعل المسار أكثر بطئًا، خصوصًا في الحالات التي تكون فيها المعلومات الشخصية ناقصة أو محل شك.
بين المسؤولية المشتركة وتبادل الاتهامات
تضع الأزمة الحالية مدريد والرباط أمام اختبار جديد في إدارة ملف الهجرة. فالمغرب يملك مصلحة واضحة في منع تحول الهجرة غير النظامية إلى مسار دائم، بينما تحتاج إسبانيا إلى معالجة الضغط المتزايد على مدنها الحدودية، وفي مقدمتها سبتة ومليلية وجزر الكناري.
غير أن نجاح أي مقاربة لا يمكن أن يتحقق عبر تبادل الاتهامات. فملف القاصرين تحديدًا يحتاج إلى تنسيق مؤسساتي يتجاوز الحسابات الحزبية، وإلى آليات واضحة وسريعة للتحقق من الهوية، وتحديد المسؤوليات، وضمان حماية القاصر، ثم اتخاذ القرار المناسب بشأن مستقبله.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن جزءًا مهمًا من الأزمة الحالية يرتبط بالفعل بالتعقيدات التي تواجهها إسبانيا في تطبيق منظومتها القانونية وفي تحقيق التوافق بين الحكومة المركزية والأقاليم. وهذا لا يعني أن الملف يخلو من تحديات على الجانب المغربي، لكنه يجعل اختزاله في مقولة “المغرب يرفض استعادة القاصرين” قراءة غير كافية لتعقيد الواقع.
في نهاية المطاف، لا يتعلق الأمر فقط بإعادة أشخاص من ضفة إلى أخرى، بل بإدارة ملف إنساني وقانوني يقع عند تقاطع الهجرة والسيادة وحماية الطفولة والعلاقات الثنائية. ولذلك فإن الحل الأكثر واقعية لا يكمن في رفع سقف الاتهامات، وإنما في تفعيل قنوات التعاون القائمة، وتسريع إجراءات تحديد الهوية، وتوفير ضمانات قانونية للقاصرين، ووضع الملف بعيدًا عن المزايدات الانتخابية.
فإذا كانت الرباط تؤكد استعدادها للتعاون، فإن التحدي المطروح على مدريد يتمثل في تحويل هذا الاستعداد إلى مسار عملي قابل للتنفيذ، وفي تجاوز الانقسامات الداخلية التي تجعل من ملف الهجرة، في كثير من الأحيان، رهينة للتجاذب السياسي أكثر مما هو موضوعًا للسياسة العمومية.