من الرباط إلى المنامة: كيف يرسم المغرب معادلة أمن عربي جديد في مواجهة التهديدات الإيرانية؟
بوشعيب البازي
في لحظة إقليمية تتسم بأعلى درجات السيولة الأمنية منذ سنوات، اختار المغرب أن يعبّر عن موقفه تجاه الاعتداءات الإيرانية التي استهدفت مملكة البحرين بلغة لا تقبل التأويل السياسي، وذلك من خلال رسالة خطية بعث بها الملك محمد السادس إلى العاهل البحريني الملك حمد بن عيسى آل خليفة، تضمنت إدانة صريحة للهجمات التي طالت منشآت مدنية وعسكرية وأحياء سكنية داخل المملكة الخليجية. غير أن أهمية هذا الموقف لا تكمن فقط في محتواه التضامني، بل في دلالاته الاستراتيجية العميقة التي تعكس تحولا نوعيا في مقاربة الرباط للأمن العربي الجماعي، وفي تموضع المغرب داخل معادلات الردع الإقليمي.
ففي العلاقات الدولية، لا تُقرأ الرسائل الملكية باعتبارها مجرد تعبير دبلوماسي بروتوكولي، وإنما باعتبارها أدوات سياسية محملة بإشارات استراتيجية موجهة إلى الحلفاء والخصوم على حد سواء. ومن هذا المنطلق، فإن تأكيد المغرب، عبر بلاغ الديوان الملكي، أن “أمن البحرين جزء لا يتجزأ من أمنه الوطني” يمثل نقلة مفاهيمية مهمة في العقيدة الأمنية المغربية، إذ يوسّع تعريف الأمن القومي المغربي من حدوده الجغرافية التقليدية إلى فضاء عربي أوسع، يمتد من الساحل الأطلسي إلى الخليج العربي.
هذا التحول ليس وليد اللحظة، بل ينسجم مع مسار سياسي وأمني راكمه المغرب خلال العقدين الأخيرين، قائم على تصور استراتيجي يعتبر أن التهديدات العابرة للحدود—سواء كانت إرهابية أو سيبرانية أو مرتبطة بالحروب غير المتكافئة—لم تعد تعترف بالجغرافيا الكلاسيكية للدول. ومن ثم، فإن استقرار الخليج بالنسبة للرباط لم يعد مجرد ملف تضامني عربي، بل بات جزءاً من هندسة الأمن القومي المغربي نفسه.
الرسالة الملكية إلى المنامة تحمل، في جوهرها، بعدين متكاملين. الأول مباشر ويتعلق بالدعم السياسي الصريح للبحرين في مواجهة ما تعتبره المنامة تهديداً إيرانياً ممنهجاً يستهدف بنيتها السيادية ووحدتها الداخلية. أما البعد الثاني، وهو الأعمق، فيتعلق بإعادة التأكيد على مبدأ وحدة المصير الأمني العربي في مواجهة التدخلات الخارجية، وخاصة تلك التي تعتمد على أدوات الاختراق الطائفي، وبناء الشبكات الموازية، وتوظيف الوكلاء المحليين لتحقيق أهداف جيوسياسية بعيدة المدى.
ولا يخفى أن البحرين تشكل منذ سنوات إحدى أبرز ساحات التوتر في الاستراتيجية الإيرانية بالخليج، بالنظر إلى موقعها الجيوسياسي الحساس، واحتضانها لوجود عسكري غربي كثيف، إضافة إلى تركيبتها الاجتماعية المعقدة التي حاولت طهران توظيفها مراراً عبر خطاب مذهبي وأدوات تعبئة سياسية وأمنية. غير أن المنامة، مدعومة بمنظومة مجلس التعاون الخليجي، نجحت إلى حد كبير في تحييد هذه الاختراقات وإفشال العديد من المخططات المرتبطة بخلايا مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني.
في هذا السياق، يأتي الموقف المغربي ليؤكد أن الرباط لا تنظر إلى الأزمة البحرينية باعتبارها حدثاً معزولاً، وإنما باعتبارها جزءاً من صراع أوسع حول شكل النظام الإقليمي العربي، وحول قدرة الدول الوطنية على حماية سيادتها في مواجهة مشاريع التمدد الإقليمي.
ومن منظور جيوستراتيجي، فإن الرباط تدرك جيداً أن أمن الخليج يرتبط عضوياً بأمن البحر الأحمر، وبأمن شرق المتوسط، وبالتوازنات داخل شمال إفريقيا والساحل. فخطوط التجارة العالمية، وإمدادات الطاقة، وشبكات النقل البحري، وحركة الاستثمارات العابرة للقارات، كلها تجعل من أي اضطراب في الخليج عاملاً مباشراً في إعادة تشكيل البيئة الأمنية والاقتصادية للمغرب نفسه.
لذلك، فإن الرسالة الملكية لا يمكن فصلها عن استراتيجية مغربية أوسع تسعى إلى تثبيت صورة المملكة كفاعل عربي متوازن، يمتلك شرعية تاريخية، ومصداقية دبلوماسية، وقدرة متنامية على لعب أدوار الوساطة والتوازن في الأزمات الإقليمية. وهي استراتيجية عززتها الرباط عبر شراكات أمنية واستخباراتية متقدمة، سواء مع الدول الخليجية أو مع القوى الغربية، ما منحها موقعاً متقدماً داخل منظومات تبادل المعلومات ومكافحة التهديدات العابرة للحدود.
كما أن توقيت هذا الموقف ليس محايداً. فالمنطقة تعيش على وقع إعادة تشكيل التحالفات، وصعود أنماط جديدة من الحروب تعتمد على المسيّرات، والهجمات السيبرانية، والضربات غير التقليدية، وهي أدوات باتت إيران تستخدمها بكثافة في مختلف مسارح نفوذها الإقليمي. ومن هنا، فإن الرسالة المغربية تحمل أيضاً مضموناً ردعياً، مفاده أن أي استهداف لدولة خليجية لن يُقرأ فقط كأزمة محلية، بل كاختبار لوحدة الموقف العربي وقدرته على إنتاج رد جماعي.
وفي العمق، يكشف الموقف المغربي أن الرباط لم تعد تكتفي بسياسة “الدبلوماسية التضامنية”، بل انتقلت تدريجياً إلى ما يمكن تسميته بـ”الدبلوماسية الأمنية الاستباقية”، أي الانخراط السياسي المبكر في الأزمات قبل تحوّلها إلى تهديدات بنيوية تطال المجال العربي بأسره.
إن الرسالة التي خرجت من القصر الملكي بالرباط نحو المنامة ليست مجرد تعزية سياسية في ظرف أمني صعب، بل إعلان واضح عن تموضع مغربي جديد داخل معادلة الأمن العربي. تموضع يقوم على قاعدة بسيطة ولكنها شديدة الوضوح: سيادة الدول العربية خط أحمر، وأمن الخليج لم يعد شأناً خليجياً فقط… بل جزءاً من معادلة الأمن القومي العربي الممتد من المحيط إلى الخليج.