السمارة في مرمى التصعيد… لماذا تعيد الإدانة الأوروبية تثبيت مركزية المبادرة المغربية في معادلة الصحراء؟
بوشعيب البازي
في لحظة إقليمية تتسم بارتفاع منسوب التوترات الأمنية في الفضاء الساحلي–الصحراوي، لم يكن للهجوم الذي استهدف مدينة السمارة وقع محلي أو إنساني فقط، بل حمل أبعاداً جيوسياسية أعمق، أعادت ملف الصحراء المغربية إلى قلب النقاش الدولي من زاوية الأمن الإقليمي، وحماية المدنيين، ومستقبل التسوية السياسية تحت رعاية الأمم المتحدة. غير أن المستجد الأكثر دلالة لم يكن في الهجوم ذاته، بل في طبيعة الرد الأوروبي، الذي جاء هذه المرة بلغة سياسية أكثر وضوحاً، وأكثر اقتراباً من المقاربة المغربية للحل.
إدانة الاتحاد الأوروبي للهجوم الأخير على السمارة لم تقتصر على التنديد باستهداف منطقة مدنية، بل حملت في مضامينها تحولاً سياسياً بالغ الأهمية، عندما شددت المؤسسات الأوروبية على أن الظرفية الراهنة ليست مجالاً للتصعيد العسكري، وإنما تستوجب العودة إلى طاولة المفاوضات وفق مقتضيات قرار مجلس الأمن رقم 2797 لسنة 2025، مع التأكيد على أن مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب تشكل أساساً واقعياً من أجل التوصل إلى حل عادل ودائم ومقبول من الأطراف، في انسجام مع مقاصد ميثاق الأمم المتحدة.
هذه الصياغة، في القراءة الدبلوماسية، ليست مجرد تعبير تضامني ظرفي، بل تمثل مؤشراً إضافياً على التحول التدريجي في الإدراك الأوروبي لطبيعة النزاع، وانتقال عدد متزايد من الفاعلين الدوليين من منطق “إدارة النزاع” إلى منطق “دعم الحل القابل للتطبيق”.
السمارة… من مدينة حدودية إلى عنوان للأمن الإقليمي
الهجوم الذي استهدف السمارة لا يمكن عزله عن التحولات الأمنية الكبرى التي تعرفها المنطقة الممتدة من الساحل الإفريقي إلى غرب المتوسط. فالمدينة، التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى رمز للاستقرار المدني والتنمية الاقتصادية في الأقاليم الجنوبية، أصبحت كذلك نقطة حساسة في معادلة الردع الإقليمي.
استهداف مدينة مأهولة بالسكان المدنيين لا يندرج فقط ضمن أعمال استفزازية ذات بعد عسكري محدود، بل يحمل رسائل سياسية تتجاوز الميدان، وتسعى إلى إعادة فرض منطق التوتر في مرحلة يتزايد فيها الدعم الدولي للمبادرة المغربية.
من هذا المنطلق، فإن الإدانة الأوروبية لا تعكس فقط رفضاً لاستهداف المدنيين، بل تعبر أيضاً عن إدراك متزايد بأن أي تهديد للأقاليم الجنوبية المغربية يمكن أن يتحول إلى عنصر عدم استقرار في منطقة تمثل بالنسبة لأوروبا امتداداً مباشراً لأمنها الاستراتيجي، سواء في ما يتعلق بالهجرة، أو الإرهاب، أو أمن الطاقة، أو استقرار الشراكات الاقتصادية عبر المتوسط.
القرار 2797… تثبيت أممي لمقاربة الواقعية السياسية
قرار مجلس الأمن رقم 2797 لسنة 2025 جاء ليكرس، مرة أخرى، المنهج الذي بات يطبع مقاربة الأمم المتحدة لهذا النزاع: الواقعية، البراغماتية، والاستدامة السياسية.
فالقرار لم يكتف بالدعوة إلى استئناف المسار السياسي تحت رعاية الأمم المتحدة، بل أعاد التأكيد على ضرورة التوصل إلى حل سياسي واقعي وعملي ومستدام قائم على التوافق.
وفي الدبلوماسية الدولية، حين يتم ربط هذا المفهوم—“الواقعية”—بالمبادرة المغربية للحكم الذاتي، فإن الرسالة تكون واضحة: المجتمع الدولي لم يعد يبحث عن حلول نظرية أو شعارات إيديولوجية تعود إلى سياقات الحرب الباردة، بل عن صيغة مؤسساتية قابلة للتنفيذ وتحظى بالشرعية الدولية.
لماذا يتحرك الاتحاد الأوروبي الآن؟
التحرك الأوروبي بهذا الوضوح ليس وليد اللحظة، بل هو نتيجة تراكمات استراتيجية فرضتها التحولات الجيوسياسية خلال السنوات الأخيرة.
أول هذه التحولات يتمثل في إدراك العواصم الأوروبية أن المغرب أصبح شريكاً محورياً في ملفات تتجاوز البعد الثنائي التقليدي، من مكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية إلى الأمن الطاقي وسلاسل الإمداد نحو إفريقيا.
ثانيها أن الحرب في أوكرانيا وما تبعها من إعادة تشكيل أولويات الأمن الأوروبي دفعت بروكسيل إلى البحث عن شركاء يتمتعون بالاستقرار السياسي والقدرة المؤسساتية في الجوار الجنوبي، وهو ما عزز من مكانة الرباط كشريك استراتيجي موثوق.
أما العامل الثالث، فيرتبط بتنامي القناعة الأوروبية بأن استمرار النزاع المفتوح في الصحراء لم يعد مجرد ملف سياسي مجمد، بل قد يتحول إلى نقطة اختراق لشبكات التهريب والجماعات المتطرفة الناشطة في الساحل، بما يشكل تهديداً مباشراً للمصالح الأوروبية.
الحكم الذاتي… من مبادرة مغربية إلى مرجعية دولية
حين تشير المؤسسات الأوروبية، بشكل صريح أو ضمني، إلى مخطط الحكم الذاتي المغربي باعتباره قاعدة للحل، فإن ذلك يعكس تحولاً نوعياً في تموقع المبادرة داخل النظام الدولي.
فالمبادرة، التي قدمها المغرب سنة 2007، لم تعد تُقرأ اليوم باعتبارها مقترحاً وطنياً أحادي الجانب، بل أصبحت تدريجياً مرجعية تفاوضية دولية تحظى بدعم متزايد من قوى مؤثرة في مجلس الأمن، ومن شركاء استراتيجيين للمغرب في أوروبا وإفريقيا والأمريكيتين.
وفي العلوم الجيوسياسية، حين يتحول مقترح وطني إلى إطار مرجعي في الخطاب الدولي، فهذا يعني أن ميزان الشرعية بدأ يتحرك بشكل بنيوي لصالح الطرف الذي يملك رؤية قابلة للتنفيذ، وشبكة تحالفات قادرة على تحويلها إلى واقع سياسي.
ما بعد السمارة… نحو مرحلة الحسم الدبلوماسي
الهجوم على السمارة، رغم خطورته الإنسانية والأمنية، قد يحمل المفارقة نتيجة سياسية معاكسة للجهات التي راهنت على التصعيد. فبدل إضعاف الزخم الدولي الداعم للمغرب، ساهم في إعادة تسليط الضوء على حقيقة أساسية: أن الاستقرار في الصحراء لم يعد شأناً مغربياً داخلياً فقط، بل أصبح جزءاً من معادلة الأمن الجماعي في غرب المتوسط والساحل.
ومن هنا، فإن الإدانة الأوروبية ليست مجرد رد فعل ظرفي، بل مؤشر على أن المجتمع الدولي بات يقترب أكثر من قناعة استراتيجية مفادها أن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية لم يعد مجرد خيار من بين خيارات متعددة، بل أصبح، في نظر عدد متزايد من الفاعلين الدوليين، الخيار الأكثر واقعية وعدالة واستدامة لإنهاء أحد أطول النزاعات الإقليمية في شمال إفريقيا.