بين براغماتية الهجرة وحسابات الجيوسياسة.. هل تدخل العلاقات الجزائرية الفرنسية مرحلة “التهدئة المشروطة”؟
حنان الفاتحي
تستعد العلاقات الجزائرية الفرنسية لدخول مرحلة جديدة من إعادة التموضع الدبلوماسي، مع الزيارة المرتقبة لوزير الداخلية الجزائري أحمد عطاف إلى باريس بداية شهر يونيو المقبل، في سياق إقليمي ودولي شديد التعقيد، تتقاطع فيه رهانات الأمن والهجرة والطاقة مع الحسابات الجيوسياسية المرتبطة بالمغرب العربي ومنطقة الساحل.
الزيارة، التي تأتي بعد أشهر من التوتر الصامت والتصعيد الإعلامي المتبادل، لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد محطة بروتوكولية عابرة، بل تمثل مؤشراً على عودة “البراغماتية السياسية” بين بلدين يدركان أن استمرار القطيعة يحمل كلفة استراتيجية متزايدة، سواء بالنسبة لباريس الباحثة عن إعادة ترميم نفوذها المتراجع في شمال إفريقيا، أو بالنسبة للجزائر التي تسعى إلى إعادة هندسة علاقاتها الخارجية وفق توازنات جديدة.
وتكشف المعطيات المرتبطة بملف الهجرة غير النظامية أن باريس والجزائر بدأتا فعلاً في اختبار أرضية تفاهمات عملية، بعيداً عن الخطابات الشعبوية التي غذّت الأزمة خلال الأشهر الماضية. فإصدار القنصليات الجزائرية بفرنسا نحو 140 تصريح مرور قنصلي منذ بداية سنة 2026، إضافة إلى قبول عودة مئات الجزائريين الموجودين في وضعية غير قانونية، يعكس تحولاً واضحاً في المقاربة الجزائرية تجاه ملف الترحيل، وهو الملف الذي ظل لسنوات أحد أبرز مصادر التوتر المزمن بين البلدين.
غير أن هذا التحول لا يعكس بالضرورة تنازلاً سياسياً من الجزائر، بقدر ما يعبر عن محاولة لإدارة الملف وفق منطق “المقايضة الدبلوماسية”، حيث تسعى الجزائر إلى توظيف التعاون الأمني والهجرة كورقة لإعادة فتح قنوات التفاوض مع باريس بشأن ملفات أوسع تتعلق بالاستثمار والتعاون الأمني والتموقع الإقليمي.
في المقابل، تبدو فرنسا اليوم أكثر حاجة إلى الجزائر مقارنة بالمراحل السابقة، خاصة بعد الانهيار المتسارع لنفوذها التقليدي في منطقة الساحل الإفريقي، عقب سلسلة الانقلابات العسكرية التي أطاحت بحلفاء باريس في مالي والنيجر وبوركينا فاسو. فالإليزيه يدرك أن الجزائر، بحكم موقعها الجغرافي وثقلها الأمني، تظل فاعلاً محورياً في معادلة الاستقرار الإقليمي ومكافحة الإرهاب والهجرة العابرة للحدود.
لكن خلف هذا التقارب الحذر، تستمر الملفات الخلافية الكبرى في فرض نفسها بقوة، وعلى رأسها قضية الصحراء المغربية، التي تحولت خلال الأشهر الأخيرة إلى نقطة احتكاك دبلوماسي مباشر بين الجزائر وفرنسا.
فزيارة وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو إلى المغرب، وإعادة تأكيد باريس دعمها الواضح لمغربية الصحراء، أعادت إلى الواجهة حساسية الموقف الجزائري تجاه أي تحول في العقيدة الدبلوماسية الفرنسية بخصوص هذا النزاع الإقليمي. وتعتبر الجزائر أن الانحياز الفرنسي المتزايد نحو الرباط يهدد توازنات النفوذ التقليدية في المنطقة المغاربية، ويقوض هامش المناورة الذي كانت تستفيد منه دبلوماسياً منذ عقود.
ولم يكن من قبيل الصدفة أن تعقب التصريحات الفرنسية موجة انتقادات حادة في الإعلام الجزائري، وصلت حد الاحتجاج العلني من قبل السفير الفرنسي ستيفان روماتيه، الذي وصف بعض الافتتاحيات الصحفية بأنها تجاوزت حدود النقد السياسي إلى خطاب يمس بمبدأ الاحترام المتبادل بين الدول.
هذا التوتر يعكس في العمق أزمة ثقة هيكلية بين الجزائر وفرنسا، تتجاوز الملفات الظرفية نحو إرث تاريخي معقد لم تستطع الحكومات المتعاقبة تجاوزه بشكل نهائي. فالعلاقات بين البلدين تتحرك دائماً بين منطقين متناقضين: منطق المصالح الاستراتيجية الذي يفرض التعاون، ومنطق الذاكرة السياسية الذي يعيد إنتاج التوتر كلما ظهرت أزمة إقليمية أو انتخابية.
ومن الواضح أن باريس تحاول اليوم الفصل بين الملفات، عبر الحفاظ على شراكتها الاستراتيجية المتنامية مع المغرب، دون خسارة الجزائر كشريك أمني وطاقي أساسي. غير أن هذا التوازن يبدو هشاً في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعرفها المنطقة.
فالجزائر، التي كثفت خلال السنوات الأخيرة من انفتاحها على موسكو وبكين وأنقرة، لم تعد تنظر إلى فرنسا باعتبارها الشريك الحصري أو المركزي كما كان الأمر في العقود السابقة. كما أن صعود أجيال سياسية جديدة داخل النظام الجزائري بات يدفع نحو مقاربة أقل ارتباطاً بالإرث التاريخي الفرنسي وأكثر ميلاً إلى تنويع التحالفات الدولية.
في المقابل، تدرك باريس أن فقدان الجزائر بالكامل سيعني خسارة إحدى آخر نقاط الارتكاز الاستراتيجية الفرنسية في الضفة الجنوبية للمتوسط، خاصة في ظل التنافس الدولي المتصاعد داخل إفريقيا بين القوى الغربية والصين وروسيا.
لذلك تبدو المرحلة الحالية أقرب إلى “هدنة دبلوماسية” منها إلى مصالحة استراتيجية حقيقية. فالتعاون في ملفات الهجرة والأمن قد يساهم في تخفيف الاحتقان السياسي مؤقتاً، لكنه لا يلغي عمق الخلافات البنيوية المرتبطة بالرؤية الجيوسياسية للمنطقة المغاربية، ولا يزيل التناقضات التاريخية التي ما تزال تحكم العلاقة بين العاصمتين.
وبين حسابات الأمن والهجرة والطاقة والتنافس الإقليمي، تبدو باريس والجزائر وكأنهما محكومتان بمعادلة معقدة: لا قدرة على القطيعة الكاملة، ولا إمكانية لبناء تحالف مستقر ونهائي.