عندما تتحول الإثارة الرقمية إلى عبء على النقاش العمومي
في عصر المنصات الرقمية، أصبح بإمكان الأفراد التأثير في الرأي العام بسرعة تفوق أحياناً قدرة المؤسسات الإعلامية التقليدية على التفاعل أو التصحيح. غير أن هذه القوة الجديدة تطرح سؤالاً أساسياً: أين تنتهي حرية التعبير، وأين يبدأ الإضرار بالتماسك المجتمعي وإثارة الانقسامات؟
خلال الأشهر الأخيرة، أثار صانع المحتوى أسعد الشرعي جدلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي بسبب تصريحات اعتبرها عدد من المتابعين مسيئة لفئات من المجتمع المغربي أو مستفزة في تناولها لقضايا مرتبطة بالهوية الوطنية، من ضمنها صورة المرأة المغربية في الخارج، والمكون الأمازيغي، والرموز الجامعة للمغاربة، إضافة إلى مواقفه بشأن السياسة الخارجية للمملكة والعلاقات المغربية الإسرائيلية. وقد تسببت هذه التصريحات في موجة من الانتقادات والنقاشات الحادة على الفضاء الرقمي.
المشكلة في هذا النوع من الخطاب لا تكمن فقط في اختلاف الآراء، فالمجتمعات الديمقراطية تتغذى من التعدد والاختلاف، بل في الأسلوب الذي قد يحول النقاش العمومي إلى مواجهة هوياتية حادة، قائمة على التعميم والتصنيف والاستفزاز المتبادل. فالمغرب، بتعدده الثقافي واللغوي، بنى توازنه على الاعتراف بمكوناته المختلفة ضمن إطار المواطنة الجامعة، وهو ما يجعل أي خطاب يضع فئة في مواجهة أخرى أو يشكك في وطنيتها موضوع نقاش ورفض لدى شرائح واسعة من الرأي العام.
لقد أظهرت تجارب عدة أن المنصات الاجتماعية تكافئ المحتوى المثير للجدل أكثر من المحتوى الرصين، مما يدفع بعض صناع المحتوى إلى اعتماد أسلوب الصدمة والإثارة من أجل توسيع الجمهور وتحقيق نسب مشاهدة مرتفعة. غير أن تضخيم الخطاب المتوتر، سواء عبر التأييد المطلق أو الرفض الانفعالي، قد يساهم في منح هذا النوع من المحتوى حجماً يتجاوز تأثيره الحقيقي.
ومن هنا، يطرح عدد من المتابعين تساؤلات حول مسؤولية النخب والإعلاميين والفاعلين العموميين في التعاطي مع الشخصيات المثيرة للجدل: هل يخدم منحها مساحات إضافية من الظهور النقاش العمومي، أم أنه يساهم، من حيث لا يحتسب البعض، في توسيع دائرة تأثير خطاب يقوم على الاستقطاب؟
إن مواجهة الخطابات المثيرة للجدل لا تتم بالإقصاء الاجتماعي أو بالتشهير المضاد، وإنما عبر النقاش الرصين، والرد بالحجة، وترسيخ ثقافة النقد المسؤول. كما أن احترام الثوابت الوطنية والرموز الجامعة، وصيانة كرامة جميع مكونات المجتمع المغربي، تبقى مسؤولية جماعية لا تتعارض مع حرية التعبير، بل تشكل الإطار الذي يسمح لهذه الحرية بأن تؤدي دورها الإيجابي في بناء فضاء عمومي متوازن.
وفي نهاية المطاف، قد يكون التحدي الحقيقي ليس في وجود أصوات مثيرة للجدل على المنصات الرقمية، فهذه ظاهرة عالمية، بل في الطريقة التي يتعامل بها المجتمع مع هذه الظاهرة: هل نجعل من الجدل وقوداً للانقسام، أم نحوله إلى فرصة لإعادة التأكيد على قيم الاحترام والتعدد والوحدة الوطنية؟
إن النقاش العمومي المغربي يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى أصوات ترفع منسوب الفكرة لا منسوب الاستفزاز، وتستثمر في بناء الجسور بدل تعميق الهوة بين مكونات المجتمع.