من قوارب الموت إلى السواحل الإسبانية… ماذا تكشف موجة وصول نحو 4000 مهاجر انطلقوا من الجزائر؟

عبد السلام العلكي

في الوقت الذي ترتبط فيه موجات النزوح الجماعي عادة بالحروب الأهلية أو الكوارث الإنسانية، تشهد الضفة الغربية للبحر الأبيض المتوسط تطوراً لافتاً يتمثل في وصول آلاف المهاجرين غير النظاميين إلى السواحل الإسبانية انطلاقاً من الجزائر. وتثير هذه الظاهرة تساؤلات عميقة حول الدوافع الحقيقية التي تدفع هذا العدد الكبير إلى المجازفة بحياته في عرض البحر، رغم أن الجزائر تُعد من أكبر الدول الإفريقية امتلاكاً لاحتياطات النفط والغاز.

إن تسجيل وصول ما يقارب أربعة آلاف مهاجر عبر قوارب الهجرة خلال فترة وجيزة يعكس أن المؤشرات الاقتصادية الكلية، مهما بلغت أهميتها، لا تكفي وحدها لقياس مستوى الرضا الاجتماعي أو جودة الحياة. فامتلاك الثروات الطبيعية لا يترجم تلقائياً إلى فرص عمل، أو تنمية مستدامة، أو تحسين ملموس لمستوى معيشة المواطنين والمقيمين.

وتشير العديد من الدراسات المتعلقة بالهجرة إلى أن قرار المغادرة لا يرتبط فقط بالفقر المدقع، وإنما يتأثر أيضاً بغياب الأفق الاقتصادي، وارتفاع معدلات البطالة، وصعوبة الاندماج في سوق الشغل، فضلاً عن البحث عن بيئة توفر فرصاً أفضل للتعليم والاستثمار والاستقرار. ولهذا، فإن الهجرة غير النظامية أصبحت في كثير من الحالات خياراً يراه بعض الشباب أقل كلفة من البقاء في واقع يعتبرونه بلا آفاق.

ومن جهة أخرى، تحولت الجزائر خلال السنوات الأخيرة إلى بلد انطلاق بالنسبة لمهاجرين قادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، مستفيدين من موقعها الجغرافي القريب من السواحل الإسبانية. وهؤلاء لا يهاجرون بالضرورة لأن الجزائر تعاني من نزاع مسلح، بل لأن هدفهم النهائي يبقى الوصول إلى أوروبا، حتى وإن اضطروا إلى عبور عدة دول قبل ركوب “قوارب الموت”.

غير أن هذه الحقيقة لا تفسر وحدها وجود عدد معتبر من المواطنين الجزائريين أنفسهم ضمن موجات الهجرة السرية. فلو كانت الثروة الطاقية كافية لضمان التنمية والرفاه الاجتماعي، لما استمرت ظاهرة “الحراقة” لعقود، ولما أصبحت إحدى أبرز القضايا الاجتماعية التي تناقشها وسائل الإعلام والباحثون في المنطقة المغاربية.

وتؤكد التجارب الدولية أن الثروة الطبيعية ليست ضمانة للتنمية. فدول عديدة تفتقر إلى النفط والغاز استطاعت بناء اقتصادات تنافسية بفضل الاستثمار في التعليم، والصناعة، والابتكار، والحكامة الجيدة، في حين عانت دول غنية بالموارد من اختلالات هيكلية حدّت من قدرة الاقتصاد على خلق فرص الشغل وتحقيق العدالة الاجتماعية.

أما بالنسبة لإسبانيا، فإن استمرار تدفق المهاجرين عبر المسار الجزائري يفرض تحديات أمنية وإنسانية متزايدة، ويستدعي تعزيز التعاون مع دول الضفة الجنوبية للمتوسط لمكافحة شبكات تهريب البشر، بالتوازي مع معالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع آلاف الشباب إلى المخاطرة بحياتهم في البحر.

وفي النهاية، فإن مشهد آلاف المهاجرين الذين يتركون خلفهم بلداً يمتلك واحدة من أكبر الثروات الغازية في العالم يطرح سؤالاً يتجاوز الأرقام: هل تقاس قوة الدول بحجم احتياطاتها الطبيعية، أم بقدرتها على تحويل تلك الثروات إلى تنمية يشعر بها المواطن، وتجعله يختار البقاء بدلاً من ركوب قوارب الموت؟ فالهجرة، في جوهرها، ليست مجرد انتقال جغرافي، بل هي في كثير من الأحيان تصويت صامت على مستوى الثقة في المستقبل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com