قمة «إيكواس» ورؤية الملك محمد السادس للعمل الإفريقي المشترك… نحو هندسة جديدة للاندماج القاري

مجدي فاطمة الزهراء

تأتي القمة العادية التاسعة والستون للمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس)، المنعقدة في فريتاون، في مرحلة دقيقة من تاريخ القارة الإفريقية، تتقاطع فيها التحديات الأمنية مع الرهانات الاقتصادية والتحولات الجيوسياسية، بما يجعل من مستقبل التكامل الإقليمي أحد أبرز الملفات المطروحة على أجندة القادة الأفارقة.

فغرب إفريقيا تواجه اليوم تحديات غير مسبوقة، تتمثل في تصاعد التهديدات الإرهابية بمنطقة الساحل، وتنامي الجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية، إلى جانب تداعيات التغيرات المناخية والضغوط الاقتصادية التي أثرت على وتيرة التنمية والاستقرار. وفي المقابل، تبرز الحاجة إلى مراجعة آليات العمل الإقليمي والانتقال من منطق إدارة الأزمات إلى بناء مشاريع تنموية وهيكلية قادرة على تحقيق الاندماج الاقتصادي الحقيقي.

وفي هذا السياق، تبدو الرؤية التي يقودها الملك محمد السادس تجاه إفريقيا منسجمة إلى حد بعيد مع التوجهات التي تسعى إليها العديد من الدول الإفريقية، والقائمة على تعزيز التعاون جنوب–جنوب، وربط الأمن بالتنمية، وإرساء شراكات متوازنة تقوم على المصالح المشتركة بدل منطق التبعية.

وقد اعتمد المغرب، خلال العقدين الأخيرين، مقاربة متعددة الأبعاد في تعاونه مع الدول الإفريقية، تجمع بين الاستثمار الاقتصادي، والدبلوماسية التنموية، والتعاون الأمني، والانفتاح الديني المعتدل، وهو ما جعل المملكة شريكاً يحظى بحضور متزايد داخل عدد من المبادرات القارية.

ويبرز في هذا الإطار مشروع أنبوب الغاز الإفريقي بين نيجيريا والمغرب باعتباره أحد أكبر المشاريع الإستراتيجية بالقارة، لما يحمله من أبعاد اقتصادية وطاقية وتنموية تتجاوز مجرد نقل الغاز، ليشكل منصة لتعزيز الاندماج الاقتصادي بين غرب إفريقيا والواجهة الأطلسية، وربط الأسواق الإفريقية بالأسواق الدولية.

كما تكتسب المبادرة الملكية الرامية إلى تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي أهمية خاصة، بالنظر إلى ما توفره من تصور جديد لفك العزلة عن الدول غير الساحلية، عبر تطوير البنيات التحتية والممرات اللوجستية وربطها بالموانئ المغربية، وفي مقدمتها ميناء الداخلة الأطلسي الذي يجري إنجازه ليكون قطباً اقتصادياً جديداً في غرب القارة.

وتنسجم هذه المشاريع مع الأهداف التي تطرحها «إيكواس» في مجال تطوير البنية التحتية وتعزيز التجارة البينية، حيث باتت القناعة تتزايد داخل القارة بأن التكامل الاقتصادي لا يمكن أن يتحقق دون شبكات نقل حديثة، وربط طاقي فعال، وممرات تجارية آمنة، وآليات تمويل إفريقية قادرة على مواكبة المشاريع الكبرى.

في المقابل، تواجه المنظمة الإقليمية تحديات مؤسساتية حقيقية، أبرزها كيفية التعامل مع الأزمات السياسية والانقلابات العسكرية التي شهدتها بعض دول المنطقة خلال السنوات الأخيرة، إضافة إلى الحاجة إلى تطوير أدوات الوساطة والوقاية من النزاعات، بما يحقق التوازن بين احترام سيادة الدول والحفاظ على الاستقرار الإقليمي.

وقد أظهرت التجارب الأخيرة أن العقوبات الاقتصادية وحدها لا تكفي لمعالجة الأزمات السياسية، بل قد تنعكس في بعض الحالات على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للشعوب، وهو ما يدفع إلى التفكير في مقاربات أكثر شمولاً تقوم على الحوار السياسي، والتنمية الاقتصادية، وتقوية المؤسسات الوطنية.

ومن هذا المنطلق، تبدو المقاربة المغربية، التي تربط الأمن بالتنمية والاستثمار، من بين النماذج التي تلقى اهتماماً متزايداً داخل الأوساط الإفريقية، خاصة أنها تستند إلى مشاريع ميدانية ملموسة بدل الاكتفاء بالشعارات السياسية.

ولا يقتصر الحضور المغربي في إفريقيا على الجانب الاقتصادي، بل يمتد إلى التعاون الأمني وتكوين الأئمة ونشر قيم الإسلام الوسطي، إضافة إلى برامج التعاون في مجالات الصحة والفلاحة والتكوين المهني، وهي مجالات أصبحت تشكل ركائز أساسية في السياسة الإفريقية للمملكة.

كما أن عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017 فتحت مرحلة جديدة من الانخراط المؤسساتي داخل القارة، وأتاحت للمملكة المساهمة بشكل أكبر في النقاشات المتعلقة بالأمن والتنمية والاندماج الاقتصادي، مع الحفاظ على رؤية تقوم على احترام سيادة الدول والدفاع عن الحلول الإفريقية للمشكلات الإفريقية.

وفي هذا الإطار، تكتسب قمة فريتاون أهمية خاصة، ليس فقط بسبب الملفات المطروحة للنقاش، وإنما لأنها تعكس اتجاهاً متنامياً نحو إعادة صياغة أولويات العمل الإقليمي، بما يجعل الاستثمار في البنية التحتية والطاقة والربط اللوجستي والتجارة البينية في صلب السياسات العمومية لدول غرب إفريقيا.

إن مستقبل القارة لن يُقاس بعدد البيانات الختامية أو حجم التوافقات السياسية، بل بمدى قدرة الدول الإفريقية على تحويل المشاريع الإستراتيجية إلى واقع اقتصادي ينعكس على حياة المواطنين، ويعزز فرص الشغل، ويرفع مستوى المبادلات التجارية، ويقلص من عوامل الهشاشة التي تستغلها التنظيمات المتطرفة وشبكات الجريمة المنظمة.

وفي هذا السياق، تبرز المبادرات المغربية كجزء من دينامية إفريقية أوسع تهدف إلى بناء فضاء قاري أكثر ترابطاً، يقوم على التكامل الاقتصادي، والأمن الجماعي، والاستثمار في الرأسمال البشري، بما ينسجم مع الرؤية التي عبر عنها الملك محمد السادس في أكثر من مناسبة، ومفادها أن مستقبل إفريقيا يجب أن يصنعه الأفارقة أنفسهم، عبر شراكات متوازنة تحقق التنمية المشتركة وتحفظ سيادة الدول وتخدم مصالح شعوب القارة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com