باريس عجزت عن إخراجه.. المغرب ينجح في الإفراج عن ضابط استخباراتها في مالي

ماريا الزاكي

دبلوماسية هادئة تعيد رسم موازين النفوذ في الساحل

لم يكن الإفراج عن ضابط الاستخبارات الفرنسي المحتجز في مالي مجرد خاتمة لملف أمني بالغ الحساسية، بقدر ما كشف عن تحوّل أعمق في طبيعة النفوذ داخل منطقة الساحل، وعن صعود أدوار دبلوماسية جديدة لا تعتمد بالضرورة على القوة العسكرية أو الحضور الميداني المباشر.

فبعد نحو عام من احتجازه في باماكو، وإدانته بالسجن لمدة 20 عاماً بتهم مرتبطة بأمن الدولة، انتهى ملف الضابط الفرنسي يان فيزيلييه بعفو رئاسي أصدره رئيس المرحلة الانتقالية في مالي، الجنرال أسيمي غويتا. غير أن اللافت في هذه النهاية لم يكن قرار العفو وحده، وإنما الدور الذي لعبته دولة ثالثة في فتح الطريق أمام التسوية.

السلطات المالية تحدثت عن تدخل «بلد شقيق» عبر «مساعٍ حميدة» ساهمت في الوصول إلى هذا المخرج، فيما أفادت تقارير إعلامية فرنسية بأن المقصود هو المغرب، الذي شارك في اتصالات أفضت إلى الإفراج عن الضابط.

وهنا تحديداً تكمن أهمية القضية.

فالمغرب لم يتدخل في ملف عادي يتعلق بمواطن أجنبي، وإنما في قضية تقع في قلب التوتر الأمني والسياسي بين مالي وفرنسا، في مرحلة وصلت فيها العلاقات بين باماكو وباريس إلى واحدة من أكثر مراحلها توتراً منذ عقود.

حين تصبح الدبلوماسية بديلاً عن النفوذ التقليدي

منذ وصول العسكريين إلى السلطة في مالي عام 2020، دخلت العلاقات المالية الفرنسية مرحلة من التدهور المتسارع. وانتهى المسار بخروج القوات الفرنسية من البلاد، وانحسار النفوذ السياسي والأمني لباريس، مقابل انفتاح مالي على شركاء جدد، وفي مقدمتهم روسيا.

في مثل هذه البيئة، لم يكن من السهل أن تدير فرنسا بنفسها ملفاً من هذا النوع مع السلطات المالية. فالقضية لم تكن منفصلة عن مناخ انعدام الثقة الذي طبع العلاقات بين البلدين، ولا عن الاتهامات المتبادلة بشأن التدخل في الشؤون الداخلية ومحاولات زعزعة الاستقرار.

في المقابل، اختار المغرب خلال السنوات الماضية مقاربة مختلفة تجاه دول الساحل، تقوم على عدم الدخول في مواجهة مباشرة مع الأنظمة الجديدة، والحفاظ على قنوات الاتصال السياسية والأمنية والاقتصادية معها.

لم يكن ذلك يعني بالضرورة توافقاً في الرؤى أو المواقف، وإنما الإبقاء على مساحة للحوار، وهي مساحة تصبح أكثر قيمة عندما تتعقد الأزمات وتغلق القنوات المباشرة.

ويرى الباحث في الدراسات الأمنية والاستراتيجية ورئيس المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية، محمد الطيار، أن أهمية الوساطة المغربية تتجاوز نجاحها في ملف محدد، لأنها تعكس، في تقديره، تنامي قدرة الرباط على التحرك داخل ملفات حساسة في منطقة الساحل، مستفيدة من شبكة علاقاتها السياسية والأمنية ومن قنوات الاتصال التي حافظت عليها مع باماكو.

ضابط استخبارات في قلب أزمة سياسية

يزداد وزن القضية بالنظر إلى طبيعة الشخص الذي كان محور هذه الوساطة.

يان فيزيلييه كان يعمل، وفق ما أوردته مصادر فرنسية، سكرتيراً ثانياً في السفارة الفرنسية بباماكو، في حين كان مرتبطاً في الوقت نفسه بجهاز الاستخبارات الخارجية الفرنسية.

وقد وجهت إليه السلطات المالية اتهامات مرتبطة بمحاولة زعزعة استقرار النظام العسكري، وهي اتهامات نفتها باريس.

وبالتالي، فإن القضية لم تكن مجرد نزاع قنصلي أو قضائي عادي، بل ملفاً يلامس مباشرة الأمن القومي لبلدين تجمعهما في الوقت الراهن علاقة شديدة التوتر.

ومن هنا يمكن فهم قيمة الوساطة المغربية. فنجاح طرف ثالث في تقريب وجهات النظر في قضية بهذه الحساسية يتطلب، قبل أي شيء، قدرة على التواصل مع الجهة التي تحتجز الشخص، وثقة نسبية تسمح لها بالاستماع إلى مقترحات الوسيط دون اعتبارها تدخلاً مباشراً في القرار السيادي.

المغرب لا يحل محل فرنسا.. لكنه يقدم نموذجاً مختلفاً

لا تعني هذه الوساطة أن المغرب أصبح بديلاً عن فرنسا في منطقة الساحل، كما لا تعني أن الرباط تمتلك نفوذاً عسكرياً مماثلاً لذلك الذي كانت تتمتع به باريس.

المعادلة مختلفة تماماً.

فرنسا بنت نفوذها في الساحل، لعقود، على أدوات أمنية وعسكرية واسعة، بينما يعتمد الحضور المغربي بصورة أكبر على مزيج من الدبلوماسية والعلاقات التاريخية والثقافية والروحية، إضافة إلى التعاون الأمني والاقتصادي والمشاريع التنموية.

وهنا تظهر خصوصية النموذج المغربي: النفوذ لا يشترط دائماً وجود قواعد عسكرية أو قوات على الأرض.

فالدولة التي تستطيع الاحتفاظ بعلاقات مع حكومة تختلف جذرياً مع حليف تقليدي لها، ثم تستخدم تلك القنوات للمساعدة في حل أزمة تخص ذلك الحليف، تكون قد راكمت نوعاً مختلفاً من القوة؛ قوة تقوم على القدرة على التواصل عندما تصبح الاتصالات المباشرة مكلفة أو مستحيلة.

من العلاقات الثنائية إلى شبكة المصالح

لا يمكن فصل الوساطة المغربية عن التحرك الاقتصادي والدبلوماسي الأوسع للمملكة في اتجاه منطقة الساحل وغرب إفريقيا.

فالمبادرة الملكية المتعلقة بتمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي، إلى جانب المشاريع الاقتصادية والتجارية والتعاون الأمني والعلاقات الثقافية والروحية، تعكس توجهاً نحو بناء شبكة مصالح طويلة الأمد.

وتكمن أهمية هذه الشبكة في أنها لا تجعل العلاقات مرتبطة بملف واحد أو ظرف سياسي عابر، بل تمنحها امتدادات متعددة.

فكلما توسعت المصالح المشتركة، ازدادت فرص الحوار، وأصبح بالإمكان اللجوء إلى القنوات السياسية حتى في اللحظات التي تشهد فيها العلاقات الدولية أزمات حادة.

ويشير الطيار إلى أن العلاقات المغربية المالية لا تقوم فقط على الاتصالات الرسمية، بل تستند أيضاً إلى روابط تاريخية وثقافية وروحية، وهو ما يمنح الرباط، في تقديره، هامشاً إضافياً للتحرك والتواصل.

لماذا قبلت باماكو الوساطة المغربية؟

السؤال الأكثر إثارة للاهتمام لا يتعلق فقط بقدرة المغرب على التدخل، وإنما بسبب قبول مالي لهذا التدخل.

الجواب يرتبط، في جانب منه، بالموقع الذي اختارت الرباط أن تشغله في المشهد الإقليمي.

فباماكو تنظر بحساسية شديدة إلى أي تدخل غربي في شؤونها الداخلية، خصوصاً بعد سنوات من الصدام السياسي والعسكري مع فرنسا. أما المغرب فلم يضع علاقته مع مالي في إطار صراع على النفوذ، ولم يجعل الحوار معها مشروطاً بتغيير تحالفاتها الدولية.

وهذا لا يعني أن الرباط وباماكو تتفقان في جميع القضايا، بل إن الأمر يتعلق بوجود مساحة سياسية تسمح بالحوار رغم الاختلاف.

وفي عالم الدبلوماسية، قد تكون هذه المساحة أكثر أهمية من الاتفاق الكامل.

فالوسيط الناجح ليس بالضرورة الطرف الأقرب إلى أحد طرفي النزاع، وإنما الطرف الذي يستطيع أن يتحدث مع الطرفين دون أن يُنظر إليه باعتباره جزءاً من المشكلة.

سابقة بوركينا فاسو

وتكتسب الوساطة في مالي أهمية إضافية إذا وضعت في سياق محاولات مغربية سابقة للتدخل في ملفات مشابهة.

فقد سبق للرباط أن ساهمت في جهود أفضت إلى الإفراج عن أربعة عناصر مرتبطة بجهاز الاستخبارات الخارجية الفرنسية كانوا محتجزين في بوركينا فاسو، بعد اعتقالهم في واغادوغو أواخر عام 2023.

كما أشارت تقارير إلى محاولات وساطة قامت بها أطراف أخرى، بينها دول خليجية والرئيس الغاني جون دراماني ماهاما، قبل أن تنتهي قضية الضابط الفرنسي في مالي إلى العفو والإفراج.

وإذا تأكدت هذه المعطيات، فإن الأمر لا يعود مجرد نجاح دبلوماسي منفرد، وإنما قد يشير إلى تشكل نمط جديد من الأدوار المغربية في الملفات الحساسة المرتبطة بفرنسا ودول الساحل.

من القوة الصلبة إلى النفوذ الهادئ

تكشف القضية عن مفارقة جيوسياسية جديرة بالتوقف.

فالدولة التي كانت تمتلك لعقود حضوراً عسكرياً وأمنياً واسعاً في الساحل تجد نفسها اليوم مضطرة، في بعض الملفات، إلى الاستفادة من قنوات دبلوماسية تمتلكها دولة أخرى.

وهذا لا يعني أن فرنسا فقدت كل أدواتها في المنطقة، ولا أن المغرب أصبح صاحب القرار في الساحل. لكنه يعكس تغيراً في طبيعة النفوذ.

فالقوة في إفريقيا لم تعد محصورة في من يمتلك أكبر عدد من الجنود أو أكبر قاعدة عسكرية. هناك أيضاً قوة العلاقات، والقدرة على بناء الثقة، والحفاظ على خطوط اتصال مفتوحة مع أطراف متباعدة.

ومن هذه الزاوية، تبدو الوساطة المغربية أكثر من مجرد خدمة دبلوماسية قدمتها الرباط لباريس؛ إنها اختبار عملي لنموذج مختلف من الحضور الإقليمي.

الساحل أمام خريطة نفوذ جديدة

ما يحدث في مالي ليس معزولاً عن التحولات الكبرى التي تشهدها منطقة الساحل. ففرنسا تتراجع، وروسيا توسع حضورها، وتركيا ودول عربية وإقليمية تسعى بدورها إلى تعزيز أدوارها، بينما تبحث حكومات المنطقة عن شراكات جديدة تتناسب مع رؤيتها المتغيرة لمصالحها وسيادتها.

وفي خضم هذه التحولات، يحاول المغرب تقديم نفسه كشريك لا يقوم حضوره على الوصاية، وإنما على المصالح المشتركة والتعاون طويل الأمد.

ولعل هذه هي النقطة الأكثر أهمية في قصة الضابط الفرنسي.

فالوساطة لا تبدأ يوم اندلاع الأزمة، وإنما تُبنى قبلها بسنوات. وعندما تنجح دولة في فتح باب مغلق، فإن ذلك غالباً ما يكون نتيجة تراكم طويل من العلاقات والاتصالات والثقة.

من هنا، يمكن قراءة الإفراج عن يان فيزيلييه باعتباره حدثاً يتجاوز شخص الضابط نفسه. فالقضية أظهرت أن الدبلوماسية الهادئة يمكن أن تنتج، في بعض الظروف، نتائج تعجز عنها أدوات الضغط المباشر.

وبينما تعيد القوى الكبرى حساباتها في الساحل، يبدو أن المغرب يختار طريقاً آخر: لا يسعى إلى احتلال موقع أحد، ولا إلى استنساخ النفوذ الفرنسي، وإنما إلى بناء موقع خاص به.

موقع يجعل من الرباط، في بعض الملفات، طرفاً يمكن اللجوء إليه عندما تصبح أبواب العواصم الأخرى موصدة.

وفي عالم تتحول فيه موازين القوة بسرعة، قد تكون القدرة على إبقاء الأبواب مفتوحة أهم من امتلاك مفاتيح كثيرة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com