السمارة تعيد رسم معادلات الصحراء: حين يتحول التصعيد الميداني إلى اختبار للإجماع الدولي
بوشعيب البازي
في لحظة إقليمية تتسم بإعادة تشكيل خرائط النفوذ وموازين الردع في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل، لم يكن الهجوم الذي استهدف محيط مدينة السمارة مجرد حادث أمني معزول أو مناوشة ميدانية عابرة، بل بدا أقرب إلى محاولة مدروسة لإعادة إدخال ملف الصحراء المغربية إلى مربع التوتر العسكري، في توقيت يشهد فيه المسار السياسي زخماً دولياً غير مسبوق لصالح المقاربة المغربية.
الهجوم الذي تبنته جبهة البوليساريو، وأسفر عن سقوط مقذوفات متفجرة في محيط منشآت مدنية، بما في ذلك محيط مؤسسة سجنية ومقبرة مدنية، مخلفاً إصابة مدنية وأضراراً مادية، جاء في سياق إقليمي بالغ الحساسية، حيث تتقاطع رهانات الأمن الطاقي الأوروبي، وإعادة تموضع القوى الكبرى في الفضاء المغاربي-الساحلي، مع التحولات العميقة التي يشهدها ملف الصحراء على مستوى الشرعية الدولية.
لكن ما أعقب هذا الهجوم كان أكثر دلالة من الهجوم نفسه؛ إذ لم يقتصر الرد على الإجراءات الأمنية المغربية المعتادة، بل تجسد في موجة إدانات دولية واسعة النطاق، صادرة عن عواصم مؤثرة ومؤسسات أممية وإقليمية، في مشهد يعكس تحولاً نوعياً في مقاربة المجتمع الدولي للنزاع.
فمن الإمارات العربية المتحدة إلى مملكة البحرين، مروراً بـالولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة وفرنسا، وصولاً إلى الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، بدا واضحاً أن أي محاولة لإعادة عسكرة النزاع لم تعد تحظى بأي هامش سياسي أو دبلوماسي داخل المنظومة الدولية.
الأهمية الاستراتيجية لهذه الإدانات لا تكمن فقط في مضمونها السياسي، بل في اللغة المستخدمة فيها. لأول مرة بهذا الوضوح، تصف دول مؤثرة الهجوم بـ”الإرهابي”، وتربطه بشكل مباشر بمحاولات تقويض جهود السلام والاستقرار الإقليمي. وهو توصيف يحمل في العلاقات الدولية أبعاداً قانونية وأمنية تتجاوز الإدانة البروتوكولية، ليؤسس تدريجياً لقراءة جديدة لطبيعة التهديدات المرتبطة بالنزاع.
هذا التحول لا يمكن فصله عن القرار الأخير لـمجلس الأمن الدولي رقم 2797، الذي عزز مرة أخرى مركزية مبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها الإطار الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لتسوية النزاع. ومع حصول القرار على دعم أغلبية واضحة داخل المجلس، يكون المجتمع الدولي قد انتقل عملياً من منطق “إدارة النزاع” إلى منطق “هندسة الحل”.
ومن منظور جيوستراتيجي، فإن ما يحدث اليوم في الصحراء يتجاوز البعد الترابي التقليدي. فالمنطقة أصبحت عقدة أمنية تربط بين الأطلسي وأفريقيا الغربية، وممراً محورياً للمشاريع اللوجستية والطاقية العابرة للقارات، خاصة مع صعود المبادرات المغربية المرتبطة بالموانئ الأطلسية، والربط الطاقي، والانفتاح الاقتصادي نحو العمق الأفريقي.
في هذا السياق، يصبح أي استهداف لمدن الصحراء المغربية، وخاصة المدن ذات الحمولة الرمزية والأمنية مثل السمارة، محاولة مباشرة لضرب دينامية الاستقرار الاقتصادي، وإرسال رسائل سياسية إلى الفاعلين الدوليين المنخرطين في مشاريع استثمارية كبرى بالمنطقة.
غير أن الرد الدولي الأخير كشف بوضوح أن ميزان الشرعية لم يعد قابلاً للالتباس. تصريح سفير الاتحاد الأوروبي ديميتار تزانتشيف، الذي أكد أن “هذا ليس وقت التصعيد بل وقت التفاوض”، لم يكن مجرد موقف دبلوماسي تقليدي، بل رسالة سياسية تعكس إدراكاً أوروبياً متنامياً بأن استمرار النزاع بات يشكل عبئاً أمنياً على المجال الأورومتوسطي بأكمله.
الأمر ذاته ينطبق على الموقف الأميركي، الذي ربط بشكل صريح بين الهجمات الأخيرة وبين تهديد الاستقرار الإقليمي، مؤكداً أن مبادرة الحكم الذاتي المغربية تمثل الطريق الواقعي نحو السلام. وهو موقف يكرس، عملياً، انتقال واشنطن من موقع الدعم السياسي إلى موقع الاستثمار الاستراتيجي في استقرار المنطقة.
أما على المستوى الأممي، فإن التعبير عن “القلق البالغ” من قبل المبعوث الشخصي للأمين العام ستيفان دي ميستورا، يعكس إدراكاً متزايداً بأن أي انزلاق أمني جديد قد يقوض سنوات من العمل الدبلوماسي.
إن القراءة الأكاديمية لهذه التطورات تقود إلى خلاصة مركزية: الهجوم على السمارة لم ينجح في تغيير قواعد اللعبة، بل على العكس، سرّع من وتيرة الاصطفاف الدولي حول المقاربة المغربية، وأكد أن منطق السلاح بات خارج السياق الجيوسياسي الجديد للمنطقة.
وفي عالم يعاد تشكيله وفق منطق المصالح والاستقرار والشراكات طويلة الأمد، يبدو أن الصحراء المغربية لم تعد مجرد ملف نزاع إقليمي، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة المجتمع الدولي على حماية مسارات الحل الواقعي، في مواجهة آخر محاولات تعطيل التاريخ.