مخيمات تندوف بين المساءلة الحقوقية والتحولات الجيوسياسية… هل يقترب المجتمع الدولي من إعادة تقييم الملف؟
بوشعيب البازي
لم يعد ملف مخيمات تندوف يقتصر على كونه أحد أكثر النزاعات الإقليمية استعصاءً في شمال أفريقيا، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى قضية حقوقية وإنسانية تفرض نفسها تدريجياً على أجندة المؤسسات الدولية. فإلى جانب الجمود السياسي الذي يطبع مسار التسوية الأممية، تتزايد الدعوات إلى إخضاع أوضاع المحتجزين داخل المخيمات لمعايير القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، في ظل استمرار تساؤلات تتعلق بحرية التنقل، وآليات المساءلة، وغياب الإحصاء الرسمي للسكان.
وقد أعادت الندوة الحقوقية التي احتضنها نادي الصحافة السويسري بجنيف، في يونيو 2026، تسليط الضوء على هذه الإشكالات، بعدما جددت الناشطة الصحراوية خديجتو محمد محمود اتهاماتها لإبراهيم غالي بارتكاب اعتداء جنسي بحقها خلال سنة 2010، مطالبة بإجراء تحقيق قضائي مستقل يضمن كشف الحقيقة وإنصاف الضحايا. وتأتي هذه التصريحات امتداداً لمسار قانوني وإعلامي بدأ منذ سنوات، بعدما سبق للناشطة أن عرضت روايتها أمام القضاء الإسباني وأمام مؤسسات أوروبية، مؤكدة تمسكها بحقها في التقاضي.
وبغض النظر عن المآلات القضائية لهذه القضية، فإنها تعيد طرح سؤال جوهري يتعلق بمدى توفر آليات العدالة داخل فضاء مغلق يخضع لسلطة جبهة البوليساريو فوق التراب الجزائري، حيث تظل إمكانية اللجوء إلى قضاء مستقل أو هيئات رقابية دولية محدودة، الأمر الذي يثير اهتمام المنظمات الحقوقية الدولية.
ولا تقتصر الإشكالات الحقوقية على هذه القضية وحدها، إذ سبق لمنظمات دولية، من بينها هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية، أن وثقت حالات مرتبطة بحرية التنقل، والاحتجاز، والانتهاكات التي طالت نساء داخل المخيمات، إضافة إلى تقارير تتناول أوضاع المعتقلين السابقين وما أثير بشأن التعذيب وسوء المعاملة خلال مراحل مختلفة من تاريخ النزاع. كما سلطت دراسات أكاديمية وشهادات فردية الضوء على ادعاءات تتعلق بالعنف الجنسي والانتهاكات الجسيمة، وهي ملفات لا تزال تثير مطالب متكررة بإجراء تحقيقات مستقلة وفق المعايير الدولية.
ومن منظور القانون الدولي، فإن استمرار غياب الإحصاء الفردي لسكان المخيمات يمثل إحدى أبرز الإشكالات التي يثيرها المجتمع الدولي منذ سنوات. فقد دأب مجلس الأمن على تجديد دعوته إلى تسجيل السكان وفق المعايير المعتمدة لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، باعتبار أن الإحصاء يشكل المدخل الأساسي لضمان الحقوق الفردية، وحماية المساعدات الإنسانية من أي استغلال سياسي أو إداري، فضلاً عن تمكين المحتجزين من ممارسة حقوقهم القانونية كاملة.
وفي السياق نفسه، يلفت خبراء القانون الدولي إلى أن الدولة المضيفة تتحمل، وفق الالتزامات الدولية، مسؤولية ضمان احترام حقوق الأشخاص الموجودين فوق أراضيها، بصرف النظر عن الترتيبات الإدارية أو السياسية القائمة داخل المخيمات. ومن ثم، فإن أي نقاش حول الانتهاكات المحتملة لا ينفصل عن مسؤولية السلطات الجزائرية باعتبارها الدولة التي توجد المخيمات داخل حدودها المعترف بها دولياً.
وتتجاوز أبعاد الملف الجانب الحقوقي لتلامس رهانات جيوستراتيجية أوسع. فقد أصبحت قضية تندوف مرتبطة مباشرة بمعادلات الأمن والاستقرار في منطقة الساحل والصحراء، حيث تتقاطع تحديات الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية مع استمرار أحد أطول النزاعات غير المحسومة في القارة الإفريقية. ولذلك، تنظر عواصم دولية متزايدة إلى تسوية هذا الملف باعتبارها ضرورة استراتيجية لضمان الاستقرار الإقليمي، وليس مجرد استجابة لمطلب سياسي لطرف من الأطراف.
وفي المقابل، تشهد الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية دينامية مؤسساتية وتنموية لافتة، من خلال انتخاب المجالس المحلية والجهوية، ومشاركة ممثلي السكان في البرلمان والمؤسسات الدستورية، فضلاً عن الاستثمارات الكبرى في البنيات التحتية والموانئ والطاقة المتجددة والتعليم والخدمات الاجتماعية. كما تضطلع اللجنتان الجهويتان للمجلس الوطني لحقوق الإنسان في العيون والداخلة بأدوار في الرصد والتتبع واستقبال الشكايات، بما يعكس وجود آليات مؤسساتية للمساءلة القانونية.
ويعكس هذا التباين اختلافاً جوهرياً بين نموذجين للحكامة؛ فمن جهة، فضاء مؤسساتي يخضع لقواعد الدستور والقانون وآليات الرقابة القضائية والإدارية، ومن جهة أخرى مخيمات تديرها قيادة غير منتخبة في ظروف استثنائية امتدت لأكثر من خمسة عقود، وسط استمرار الجدل الدولي بشأن الحقوق الأساسية لسكانها.
وتزداد أهمية هذه القراءة في ضوء التحولات التي يعرفها الموقف الدولي من النزاع، حيث تتسع دائرة الدول الداعمة للمبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها أساساً واقعياً وذا مصداقية لتسوية سياسية دائمة، في انسجام مع القرارات المتعاقبة لمجلس الأمن الداعية إلى حل سياسي واقعي وقائم على التوافق.
وفي تقديري، فإن مستقبل هذا الملف لن تحدده فقط المفاوضات السياسية، بل أيضاً مدى قدرة المجتمع الدولي على جعل حقوق الإنسان معياراً ثابتاً لا يخضع للاعتبارات الإيديولوجية أو الحسابات الجيوسياسية. فحقوق النساء والأطفال، وحرية التنقل، والحق في العدالة، وحق السكان في معرفة وضعهم القانوني، كلها مبادئ لا يجوز أن تبقى رهينة استمرار نزاع عمره نصف قرن.
إن العدالة الحقيقية تبدأ حين يصبح الإنسان محور أي تسوية سياسية، وحين تخضع جميع الأطراف، دون استثناء، للمساءلة والرقابة وفق قواعد القانون الدولي. وفي هذا السياق، لم يعد السؤال المطروح يتعلق فقط بمستقبل النزاع، بل أيضاً بمستقبل آلاف الصحراويين الذين ينتظرون منذ عقود نهاية وضع استثنائي طال أمده، وفتح صفحة جديدة عنوانها الكرامة والحرية والتنمية.