البرلمان السويدي يكرّس المقاربة الأوروبية تجاه الصحراء المغربية: انتكاسة جديدة للأطروحة الانفصالية

ماريا الزاكي

ستوكهولم – يشكل قرار لجنة الشؤون الخارجية بالبرلمان السويدي رفض سلسلة من المقترحات المؤيدة لجبهة بوليساريو محطة جديدة في مسار التحولات التي تشهدها المواقف الأوروبية تجاه قضية الصحراء المغربية، ويعكس في الآن ذاته اتساع دائرة العزلة السياسية والدبلوماسية التي تواجهها الأطروحة الانفصالية داخل المؤسسات الأوروبية.

فالقرار لا يكتسي أهميته من زاوية إجرائية أو برلمانية فقط، بل يحمل دلالات سياسية واستراتيجية أعمق ترتبط بطبيعة التحولات الجارية داخل الفضاء الأوروبي في التعاطي مع أحد أكثر النزاعات الإقليمية تعقيداً في شمال إفريقيا، خاصة في ظل تنامي القناعة داخل العواصم الأوروبية بضرورة الحفاظ على الاستقرار الإقليمي وتعزيز الشراكات الاستراتيجية مع الفاعلين الإقليميين القادرين على الإسهام في تحقيق الأمن والتنمية ومواجهة التحديات المشتركة.

منطق الدولة في مواجهة منطق الأيديولوجيا

رفض لجنة الشؤون الخارجية السويدية للمقترحات التي قدمها عدد من النواب، والتي تضمنت الدعوة إلى الضغط على الاتحاد الأوروبي من أجل إعادة طرح خيار الاستفتاء أو مراجعة الاتفاقيات الاقتصادية المبرمة مع المغرب، يعكس انتصار المقاربة الواقعية داخل المؤسسة التشريعية السويدية على حساب الطروحات الإيديولوجية التي ظلت بعض الأطراف تحاول تسويقها داخل الفضاء الأوروبي منذ سنوات.

ويكشف هذا التطور أن المؤسسات الأوروبية أصبحت أكثر ميلاً إلى التعامل مع ملف الصحراء من منظور براغماتي يستند إلى التوازنات الجيوسياسية والاعتبارات القانونية والاقتصادية، بدلاً من الانخراط في سجالات سياسية لم تعد تنسجم مع التحولات التي شهدها الملف على المستوى الدولي.

ففي عالم يتجه تدريجياً نحو إعادة تعريف أولويات السياسة الخارجية وفق اعتبارات الأمن والاستقرار والمصالح الاقتصادية، باتت العديد من الدول الأوروبية تنظر إلى النزاع الإقليمي حول الصحراء باعتباره ملفاً ينبغي تدبيره ضمن إطار الأمم المتحدة ووفق مقاربة سياسية واقعية وقابلة للتطبيق، بعيداً عن الأطروحات التي أثبتت محدودية قدرتها على إنتاج حلول عملية.

انسجام مع التحول الأوروبي تجاه المغرب

يأتي الموقف السويدي في سياق أوروبي أوسع اتسم خلال السنوات الأخيرة بتعزيز الشراكة الاستراتيجية بين الاتحاد الأوروبي والمغرب، باعتباره شريكاً محورياً في مجالات الأمن والهجرة والطاقة والتبادل التجاري والتعاون التنموي.

وقد عززت الدورة الخامسة عشرة لمجلس الشراكة بين المغرب والاتحاد الأوروبي هذا التوجه من خلال التأكيد على أهمية الارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستويات أكثر تقدماً، بما ينسجم مع التحديات الإقليمية والدولية الراهنة.

كما أن الزيارات المتبادلة والاتصالات السياسية المتواصلة بين المسؤولين الأوروبيين والمغاربة عكست إدراكاً متنامياً للدور الذي أصبح يضطلع به المغرب باعتباره فاعلاً إقليمياً أساسياً في محيطه المتوسطي والإفريقي، وشريكاً موثوقاً في معالجة القضايا المرتبطة بالأمن الإقليمي والاستقرار الاقتصادي.

وفي هذا السياق، تبدو محاولات توظيف المؤسسات الأوروبية لخدمة أجندات انفصالية أقل قدرة على التأثير مقارنة بما كان عليه الوضع في مراحل سابقة، خصوصاً مع تنامي الوعي الأوروبي بأهمية الحفاظ على العلاقات الاستراتيجية مع الرباط.

التحولات الجيوسياسية وإعادة تموقع المواقف الأوروبية

لا يمكن فصل القرار الصادر عن لجنة الشؤون الخارجية السويدية عن البيئة الجيوسياسية التي تشهدها القارة الأوروبية ومحيطها الإقليمي. فالحرب في أوكرانيا، وتحديات أمن الطاقة، وتصاعد المخاطر المرتبطة بالإرهاب والهجرة غير النظامية، دفعت الاتحاد الأوروبي إلى إعادة ترتيب أولوياته الاستراتيجية وتعزيز التعاون مع شركائه الجنوبيين الأكثر استقراراً وتأثيراً.

وفي هذا الإطار، يبرز المغرب باعتباره أحد أهم الفاعلين الإقليميين الذين استطاعوا بناء شراكات متعددة الأبعاد مع أوروبا، تمتد من الأمن والدفاع إلى الاقتصاد والطاقة والربط اللوجستي.

وأمام هذه المعطيات، أصبح من الصعب على الأطروحات الانفصالية أن تجد الصدى نفسه الذي كانت تراهن عليه داخل بعض المؤسسات الأوروبية، خاصة مع تنامي الإدراك بأن أي مقاربة لا تأخذ بعين الاعتبار متطلبات الاستقرار الإقليمي وموازين القوى الحالية تبقى بعيدة عن منطق الواقعية السياسية.

تراجع هامش المناورة أمام بوليساريو

يكشف الموقف السويدي أيضاً عن تقلص هامش المناورة المتاح لجبهة بوليساريو داخل الساحة الأوروبية، في ظل سلسلة من التطورات السياسية والدبلوماسية التي شهدها الملف خلال السنوات الأخيرة.

فالدعم المتزايد الذي تحظى به المبادرات الرامية إلى إيجاد حل سياسي واقعي ودائم للنزاع، إلى جانب تنامي الاعتراف الدولي بأهمية مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أرضية جدية وذات مصداقية للحل، أسهما في إعادة تشكيل موازين النقاش داخل العديد من المؤسسات الدولية والإقليمية.

وبينما تواصل بعض الجهات محاولة إعادة إحياء أطروحات تجاوزتها التحولات السياسية والدبلوماسية، يبدو أن أغلب الفاعلين الدوليين باتوا يفضلون دعم المسار الأممي القائم على التوافق والواقعية والبحث عن حلول قابلة للتنفيذ، بعيداً عن المقاربات التي أثبتت محدودية فعاليتها على امتداد عقود.

نحو مرحلة جديدة من التموقع الأوروبي

إن دلالة القرار السويدي تتجاوز حدود البرلمان الوطني لتندرج ضمن اتجاه أوروبي أوسع يقوم على تعزيز الشراكة مع المغرب باعتباره شريكاً استراتيجياً في جنوب المتوسط، وعلى دعم الجهود الرامية إلى إيجاد تسوية سياسية مستدامة للنزاع في إطار الأمم المتحدة.

ومن منظور جيوستراتيجي، فإن هذا التطور يعكس تحولاً تدريجياً من مرحلة كانت تطغى عليها الاعتبارات الإيديولوجية إلى مرحلة أصبحت فيها اعتبارات الاستقرار والأمن والتنمية والمصالح المشتركة محدداً أساسياً لصناعة القرار داخل العديد من المؤسسات الأوروبية.

وعليه، فإن رفض البرلمان السويدي للمقترحات الداعمة للأطروحة الانفصالية لا يمثل مجرد انتكاسة ظرفية لجبهة بوليساريو، بل يعد مؤشراً إضافياً على التحولات العميقة التي تعرفها البيئة الدبلوماسية الأوروبية، وعلى اتساع دائرة القناعة الدولية بضرورة دعم الحلول الواقعية والقابلة للتطبيق كمدخل أساسي لإنهاء أحد أقدم النزاعات الإقليمية في شمال إفريقيا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com